الرئيسية » عين حرة »

آخر ليالي ديسمبر!

ليلة أخيرة من ليالي ديسمبر الباردة، السماء متلونة بغلالات سوداء قاتمة تنذر بمطر قريب..

عقارب الساعة تشير العاشرة ليلا.. لم تبقَ سوى ساعتين للعام الجديد..

الوقت يداهمها وعليها أن توضب حقائب الحزن وترسله بعيدا، بعيدا جدا بحيث لا يجد طريق العودة..

ينبغي أن تجهز نفسها للبداية التي طال انتظارها لها.. اليوم هو اليوم المنشود للنهاية، صار واجبا عليها أن تسوي حساباتها مع كل ذكريات السنة..،، عليها أن تبهر العام الجديد بابتسامة رائقة ووجه صبوح..

أسرعت الخطى نحو المطبخ بقدمين حافيتين، أخذت تبحث بعينيها الواسعتين وشفتاها ترددان صدى أفكارها:

– ماء؟؟ لا.. سكين؟؟ ههه لا طبعا… امممم قدااحة نعم هذه هي..

أخذتها وعادت لغرفتها المضاءة..

صفعت زر الكهرباء وأضاءت شمعة وضعتها في أحد الأركان…

أخرجت على ضوء الغرفة الخافت دفترا خبأته بدقة بين ثنايا كتبها التي مضى عليها قرابة الأسبوعين مبعثرة لم تلمسها يد بشرية…

فتحته وراحت تقلب أوراقه بسرعة، لم تقرأ غير بدايات الجمل التي نسجتها بنانها بحزن عميق، أغلبها كانت:

“عاجزة… المستحيل انتشل مني… لا مفر… انتهى كل شيء……”

شعرت بحرارة عبراتها السمجة؛ تذكرت خاطبها ذو الطلعة الغراء، والذي يجيد العزف على أوتار القلوب، من سرق منها مفاتيح أبواب السعادة بتحد تافه، لم يكن له ذرة مشاعر لها غير أنه رأى فيها تلك العنيدة التي تجرأت ورفعت إصبعها في وجهه وحذرته من أدنى محاولة غزل غبية..

لم يكن شاب الطبقة الأرستقراطية ليقبل بتلك الإهانة أمام الجميلات والشقراوات اللواتي يتأبطن ذراعه ويسوين ياقة قميصه بين الحين والآخر. أراد رد الصاع صاعين، ولعلمه بفقر أسرتها تنبأ بقبول طلبه لخطبتها أو بمعنى آخر لشرائها..

هي ابنة الجبال الصامدة القوية ذات بشرة بيضاء وشعر كستنائي يصل حتى خصرها النحيف…

أجبرها والدها على ترك الجامعة منذ أسبوعين لتتزوج من الشاب الذي يمضي أيامه يتمرغ في ثروة والده المتوفى دون مسؤولية..

وما لبثت أن اتخذت ذاكرتها منحى آخر من التفكير وتذكرت المواجهة العنيفة مع والدها في صباح اليوم ذاته. شعرت أن أقوالها كانت مقنعة وصادقة ولابد أن تهز كينونته ويرق قلبه؛ حدثته عن أن كرامتهم أغلى واستعملت كل حججها من تفوقها في الدراسة إلى وفائها له وانتهت بوعود وترجي..

توقفت عند هذا الحد من التفكير، أشعلت النار في الدفتر وراحت تتلذذ بمنظر أحزانها وهي تحترق أمام عينيها، انبثق صوتها:

  • فلتموتي أيتها الأحزان!!! فلتنتهي أيتها الليالي البائسة…”

عادت لكتبها المركونة في لا تنظيم، حملتها، قبلتها، صالحتها وأعطتها حيزا جديدا في حياتها…

الساعة تشير إلى منتصف الليل.. انتهى ديسمبر..

أقامت جنازة لأحزانها على أنغام القيسر بعد أن تأنقت ومسحت غبار الأيام..

راحت تراقص ظلها حتى تعبت قدماها وصار جبينها يتفصد عرقا، وهي تشدو بسعادة غامرة تكاد تحملها حتى ثريات السماء..

أخذ النوم يداعب جفونها بعد أن تخلصت من ذاك الطود الماثل أمامها وطموحاتها أخيرا..

استيقظت في ذاك الصباح الوليد على طرقات خفيفة على الباب، أرغمت عينيها على أن تباعد أهداب جفنيهما، أتاها صوت والدها:

  • قومي ستتأخرين على الجامعة…

قفز قلبها من صدرها وراح يرقص ويدندن في تلك الساعة الباكرة.. فتحت الباب ونطقت:

  • أبي متى سنشتري ذبلة الزواج؟؟؟؟

أجاب مستغربا:

  • ألم ترفضيه؟ عن أي زواج تتحدثين؟

بمرح طفولي:

  • الزواج من أحلامي يا والدي الحبيب!!!!!
كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

راضية الكويسي

راضية الكويسي، من مواليد 1998م بدوار النشارين التابع لجماعة أسجن بإقليم وزان. طالبة في كلية العلوم والتقنيات بمدينة طنجة.

عدد المقالات المنشورة: 5.

خلاصات راضية الكويسي

اقرأ لنفس الكاتب:

اترك تعليقا

أعلمني عن
‫wpDiscuz