الرئيسية » عين حرة »

أحلام مؤجلة!

من الجدير بالذكر بأننا حين نعبر عما يؤلمنا فهذا لا يعني بأننا أشخاص متشائمين أو سوداوي الفكر، ولا حتى بأن تفكيرنا يقودنا إلى التطلع فقط على “نصف الكأس الفاضي وننسى النصف المليان”، وإنما حديثنا عما يثقل كاهلنا نابع أساسا من معاناة نعيشها ونتعايش معها آملين في أن نتخطاها في يوم من الأيام. ولا يخفى على الجميع أن معاناتنا الأكبر تتجلى في أحلام مجتمع تظل معلقة ومؤجلة مع كل حكومة جديدة.

ولعل عدم تحقق أبسط مطالب أبناء المجتمع هي ما تجعل فئة كبيرة من مواطنيه عازفة عن المشاركة في الانتخابات. وإذا أردنا أن نفسر سبب عزوف هذه الشريحة من المجتمع عن المشاركة في الانتخابات فلن تسعفنا الأوراق ولا الأقلام لخطها.

من المعلوم بأن لا شيء يتفاقم دون تراكم، وتفاقم هموم المواطن الغلبان التي تزيد مع كل حكومة جديدة هي ما جعلته غائبا عن ممارسة أبسط حقوقه كالتصويت مثلا. ببساطة لأن هذا الأخير مل من الاستماع إلى خطابات مكررة تعتمد على مبدإ التسويف وتتجاهل مبدأ التفعيل، مل من أحزاب لا يعرف لها أثر إلا مع اقتراب موعد الترشح، من وعود لا تتحقق، من استغلال سذاجة الفقراء والبسطاء، من الورقة الزرقاء التي تتوزع، من الجهلة الذين يشترون كراسيهم داخل البرلمان، من القوانين التي لا يطبق معظمها وإلا لما رأينا قاصرات تتزوج ومطلقات دون نفقة، وتحرش دون عقاب، وفساد دون ردع، من إدارات لا تخدم المواطينين، من مستشفيات لا تحمي الرضع، من مهاجرين لا ثغيتهم سفارات، من غلاء أسعار المواد الغدائية، من اقتطاعات للمتقاعدين، وتهميش لأهمية الأساتذة والمعلمين إلخ إلخ… كل هذا بل وأكثر دون أن يتساءل أحد يوما من هؤلاء السادة المحترمين عما يحلم به أبناء الشعب؟ بعيدا عن الحديث عن مشاريع مستقبلية يتحقق بعضها ويبقى معظمها حلما والأحلام كثيرة…

إن المواطن البسيط لا تهمه البرامج السياسية ولا المواجهات والنقاشات والعراك بين الأحزاب السياسية حول من أفضل مِن مَن، إن كل ما يهمه هو أن تتحد هذه الأحزاب من أجل مصلحة وحلم مجتمع بأكمله لأنه وفي نهاية المطاف لا يهم ذلك المواطن البسيط سوى ألّا يحمل هم سوء وضعية المستشفى الذي سينزل به أكثر من همه على مرضه، ألّا تتم معاملته كذوات الأربع داخل القطاعات الإدارية، ألّا يتم حرمانه من عدس الأرض وبصلها (يكفيه أنه لا يعرف للحوم الحمراء طعما!)، ألّا يفقد الثقة بممثليه، ألّا يعيش مع نفس المشاكل ونفس الأزمات مع كل حكومة جديدة حتى يفقد الأمل الذي بدأ سوس السنين ينخره.

إن هذا المواطن ليس ناكرا للجميل وليس من أصحاب شعار “ماشفنا والو”، إنه يعلم ويرى بعض الإصلاحات التي شملت بعض القطاعات ويسمع بالأرقام والإحصائيات التي تخصها لكنه يتفاجأ في معظم الوقت بعدم وجودها على أرض الواقع. إن هذا المواطن لا يبحث عن المدينة الفاضلة ولا عن رئيس حكومة مثالي، جل ما يبحث عنه أن يرى تحالف الأحزاب مع بعضها البعض وكدها واجتهادها من أجل هدف واحد ووحيد بعيدا عن أي مناوشات.

ومرة أخرى يحلم هذا المواطن البسيط ويظل يحلم ويحلم وتظل أحلامه مؤجلة حتى إشعار آخر.

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

منار رامودة

حاصلة على إجازة في الآداب الإنجليزية، من هواياتي كتابة المقالات والقصص القصيرة والخواطر الشعرية.

عدد المقالات المنشورة: 13.

خلاصات منار رامودة

اقرأ لنفس الكاتب:

اترك تعليقا

أعلمني عن
‫wpDiscuz