الرئيسية » عين حرة »

أشعة الشمس لا يحجبها غربال

أمام الزيادة المهولة لعدد أنصار التيار الإسلامي لا يجد بعض المناوئين لهم حرجا من كيل الاتهامات لهم لدرجة أن يصيب بصيرتهم العمى فيدينوا كل الشعب من حيث لا يشعرون حين يتهمونهم بالخضوع لعمليات غسل الدماغ وإعادة الصياغة والتشكيل وما إلى ذلك من مثل هذا الكلام والأحكام الجاهزة… وهنا يطرح سؤال نفسه بإلحاح: أليس في هذا الادعاء الساذج تسفيه لأحلام الناس واستهزاء بهم وسخرية منهم وتصغير لعقولهم وتقزيم لمداركهم… وفي النهاية ممارسة للوصاية عليهم؟

إن هؤلاء السطحيين، والتسطيحيين المفضوحين لا يواجهون زمرة من المجرمين حتى يمكن سحب هذا التوصيف عليهم. إنهم يواجهون تيارا جارفا عددا، محصنا فكرا، ثابتا خلفية. نعم له امتدادات شعبية في كل طبقات الشعب الجنسية والعمرية والمهنية، بل وحتى التعليمية، لكنه –مع ذلك- يضم نخبا واسعة متخصصة في شتى مناحي العلوم الشرعية والكونية، العلمية والأدبية، حيث تعتلي أهرامَهم صفوةٌ ونخبة وطليعة، أما غالبية قواعدهم فهم باحثون ناقدون مواكبون مطالعون للأحداث مسايرون للوقائع. فأدنى واحد منهم منزلة لا يقبل الفكرة أو المبدأ دون دليل مقنع ومرجع معتمد، إلى درجة أنه إذا كان غيرهم قد تقلى عباداته سماعا من هذا أو ذاك واكتفى بذلك مقتنعا، فإن الواحد من هؤلاء، لا يقنع إلا إذا اطلع على العبادة، أو الفكرة أو الموقف بصفة عامة، في أكثر من مرجع وقارن ونقد وبحث… ثم اعتمد.

وفي تنظيماتهم تراهم منضبطين في مواعيدهم، وافين بالتزاماتهم، باذلين جهدهم من وقت ومال وحركة، منفذين لمقررات تنظيماتهم في السراء والضراء وحين البأس، تنظيماتهم قوية، نسبتهم كبيرة، امتدادهم متجذر، خطابهم مألوف…

لهذه الأسباب وغيرها تجد أصحاب المراكز والأمر والنهي اليوم يؤاخذون على “المتطرفين” استغلالهم لعاطفة الشعوب الروحية ولحالتهم السوسيو-اقتصادية المتدهورة لتجنيدهم في صفوفهم وتهييجهم ضد النظم القائمة. وهكذا فإنك تجد كل زعيم دولة أو حزب أو أي زعيم.. كلما أتيحت له فرصة التعليق على تنامي أعداد المنخرطين في مختلف التنظيمات “المتمسلمة” إلا واجتهد في التوسع في شرح هذين السببين وحشد حججا لا حجية لها تأييدا لطرحه. والحالة هذه، وبحثا عن شيء من الموضوعية، فإن المرء يجد نفسه مضطرا لتحليل هذا الخطاب المتواتر قبل أن يختبر صدقه من كذبه.

فلنسلم به إذن أولا. وهنا يطرح السؤال البديهي الأول، ثم تجد الأسئلة تتوالد:

من أوصل هذه الشعوب إلى هذه الحالات السوسيو-اقتصادية المزرية حتى يصلّوا صفوفا متراصة مبتهلين إلى خالقهم كي يبعث فيهم من يخلصهم من هذه الحالة المذكورة، فيصطفون طوابير وراء هذا “المبعوث المارد” طمعا في النجاة؟ ثم لماذا لا يعزف هؤلاء الزعماء على هذا الوتر وهم يملكون جميع وسائل وحقوق البيان؟ ولماذا لا يتبع هؤلاء المقهورون المنادين بالعدالة الاجتماعية والمنددين بالفوارق الطبقية سواء عارضوا أبديا أم ناوبوا بين المعارضة والحكم؟ كما ولا يتجهون صوب المنادين بالحرية الشخصية والرفاهية الاقتصادية؟ تماما مثلما يتجاهلون مواعظ أولي الأمر وأرباب النعمة؟…

وقبل أن تنتهي هذه السلسلة من التناسل، تقاطعها توا سلسلة أخرى:

ما معنى “العاطفة الدينية”؟ وما علاقة ماهيتها بمضمون المشاريع المنافسة(إن وجدت)؟ ولماذا لا يفهم الناس إلا لغة هؤلاء “المضللين”؟…

والسلسلتان لا تنتهيان، ولكن حسبنا ما مضى، فهو كاف.

فإذا كان الجواب على السؤال الأول مسلم به فإنه لا يحق اليوم لأولئك المتسببين أن يستمروا في هذا التسبب وتكريس ما تسببوا فيه، ثم يلومون من يتولى مجرد الوصف المجرد للحالة. فالبلاغة كل البلاغة عند من قال أن اقتصاد بلدان العالم العربي هو أقوى اقتصاد ذلك لأنه منذ أكثر من قرن من الزمن وهو يستنزف دون رحمة، ومع ذلك فلا زالت هذه البلدان موجودة على الخريطة السياسية للعالم.

أن تقتل القتيل وتقدم فيه العزاء فهذا شيء ممكن في بلداننا. ولكن لا يمكن لهذا المكر أن يكتسب الشرعية حتى يصبح هو القاعدة السائدة. وبالتالي فإذا كان نفي واقعة الجريمة غير ممكن، فإن التنصل من الإجرام يأخذ نفس الحكم نظرا لبشاعة الفاعل وقداسة المفعول به وامتداد زمن الفعل. لهذه الأسباب إذن لا يستطيع هؤلاء المناوئين(المشاركون في جريمة “تدبير الشأن العام” منذ عقود) أن يعزفوا على هذا الوتر(“العاطفة الدينية”).

أما من يدافعون عن الحقوق الطبقية، فحتى إذا اعتبرنا، تجاوزا، عدم مشاركتهم في هذه الجريمة مباشرة(من ناوب بين الحكم والمعارضة) أو تواطؤا(من لزم تقمص دور المعارض)، فهم يخاطبون الناس بغير ما يفهمون، وتجاوزوا حكمة الحكماء “خاطبوا الناس على قدر عقولهم” أو كما قيل. فحتى من حُسب منهم على الطائفة المثقفة وشمله المبدأ، عملا بمقولة: “قليل من الفلسفة يورث الكفر”، فها هو الشعب يتبرأ منهم تباعا، وكأنها كانت موجة موضة تبالت، ولا يصح إلا الصحيح على حد قول جحا.

وهنا يقع التقاطع بين الأجوبة كما سبقه التقاطع بين أسئلتها. ف”العاطفة الدينية” المعبر عنها هنا هي غريزة أو هي فطرة الله التي فطر الناس عليها، حتى أن كل الناس يعبدون، على اختلاف معبوداتهم.

وبما أن هذه القناعة مسلم بها قسرا، في زماننا هذا على الأقل، فإنه يجب تبيان حقيقة المعبود، في المنظومة المعنية، وحقيقة التعبد. بحيث إذا كان القدامى(في حدود جيل فما فوق بعد عصر انحطاط المسلمين) يأخذون أمورهم تقليدا جاهزا حتى في أهم ما يترتب عنه حالهم ومآلهم، فإن هؤلاء الجدد لا يسلمون بالشيء إلا بعد بحث وتمحيص واستجلاء على اختلاف المصادر، وما أكثرها، حتى لا يتبنون من الأمور إلا ما صفى كل حسب موارد بحثه.. ولكن المهم هناك بحث.

إن فطرة الناس لا زالت سليمة في العمق رغم ما يكون قد أصاب قشرتها من درن، وهذه الفطرة هي المخاطب الأول بصدق عند أولئك غير المرغوب فيهم طوعا، المفروضين كرها. فهم لا يخضعون للمنطق السابق، كما لا يخضعون لمنطق كل محظور مرغوب فيه، كما يريد أن يسوغ البعض. وإلا يكون الطرح التالي كفيلا بوضع حد نهائي أبدي لهم: بما أنهم “ظلاميون” لا برامج لهم ولا جذور ولا أصل ولا أنصار ولا… فلماذا تخشونهم إذن؟ إنكم أصحاب منطق، فلجؤوا إلى الشعوب وتحاكموا إليها، أم تريدون أن تفرضوا وصايتكم عليها أبد الدهر؟!.. فأنتم الزعماء الملهمون والقواد الأفذاذ والعباقرة المبدعون والحكماء المنزهون… ثم من أين جاء هؤلاء” المتمردون”؟ من كوكب آخر؟ هم شرذمة؟ اتركوهم إذن، ما عسى شرذمة أن تفعل؟

إن هؤلاء الناس يمثلون جيل المقاومة والعزة والدفاع عن الهوية والقومية في هذا العصر الذي برزت فيه دعوات الرجوع إلى الأصل عند مختلف شرفاء العالم حتى وإن اختلفنا معهم، وإلا فمن يدافع عن هذا الحقل(“العاطفة الدينية”) ويتبني مشاكله؟ أم الانتماء له يكون بحكم حتمية أمر الواقع، كما علمتنا أنظمنا تجاه الوطنية؟

إنه لا يحتمل أن لا تكون قادرا على تحريك ساكن، ولو كان أوراق خريف، في التعريف ولا في الدعوة ولا في الدفاع… ولا تملك ما تقدم أو بم تدافع، ثم تدعي الأولوية في الإخلاص والوفاء حتى ولو تعلق الأمر بمنظومة شيطانية. صحيح أن الله تعالى تولى حفظ كتابه ونصر دينه، لكن لكل عامل أجر قدر كده وتضحياته في كل ملة وفي أي مشروع.

فماذا تقدمون أنتم أيها الحداثيون المتنورون لهذا الدين، حتى في جزئه الخارج عن دائرة الخلاف، في كتاباتكم ومشاريعكم وأعمالكم؟ بل ماذا تملكون لتقدموه أصلا؟ أليس هذا هو المكون الأساسي في حياة الفرد وهويته، لأنه المطلق الوحيد في حياته في بحار النسبية والمتغيرات؟ إذن ألا يستوجب المكون الرئيس مجهودا خاصا وأساسيا يماثله قيمة؟!!..

إن المتاجر في البورصة، المنادي بخصخصة المؤسسات العمومية… لا يمكنه أن يدعي الانتصار للشيوعية أكثر ممن يصبح ويمسي وكل همه تأميم المؤسسات ووسائل الإنتاج، يدعو لذلك في كل حين ويكرس حياته بكل تفاصيلها للنضال من أجل تحقيقه.

“أ عيقو” هناك قوة خفية تقف وراء الصمود رغم أن كلا من قوى الاستكبار العالمية، وقوى الاستبداد الداخلية، وقوى التواطؤ المشتركة تتكاثف وتتكالب ضده.

أما فيما يخص التهويل من استخدامهم ل”العنف” في منهجيتهم، فيطرح سؤالان رئيسيان: أولا، ما العمل تجاه من ملك زمام كل شيء؟ وفرض الحصار على كل شيء، وغلق كل الأبواب؟ ثانيا، هل “قتل” “المتطرفون” أو “شردوا” أو “نكلوا” أو “عذبوا” أكثر مما فعل غيرهم سواء تعلق الأمر بدولنا في مواجهة شعوبها على مر تاريخها، أو تعلق الأمر بباقي التيارات التي ناضلت من أجل نشر فكرها وتقديم برامجها عبر تاريخ وجغرافيا الدول المستبدة، أو تعلق الأمر بالدول ذاتها في فرض مبادئها على دول أخرى؟ مع التنصيص على أن الخطأ لا يبرر أخاه، إلا إذا فرض ذلك الخطأ فرضا، فلا حول ولا قوة إلا بالله، وعلى كل حال يستحسن بمن كان بيته من زجاج ألا يقذف بيوت الناس بالحجارة!

والعجب العجاب أن ترى الدخلاء والخونة الذين مضت لهم أزمان ينهبون ويفسدون ويخربون يبدون تخوفهم على المجتمع المستهدف! ولا يكلفون أنفسهم عناء الجواب عن السؤال: مستهدف من طرف من؟ وسبب هذا العجز واضح، وهو أنهم لا يستطيعون القول أن المجتمع مستهدف من طرف نفسه، وهي الحقيقة لو صح فرض الاستهداف فعلا، لأن المجتمع غالبيته منخرط في هذه العملية(“الاستهداف”).

إنهم شعوب على اختلاف درجات قناعتهم وتعاطفهم وانضباطهم. فاستأصلوهم أو انفوهم إلى كواكب أخرى.

عجبا لمن يملك السلطة التنفيذية والترسانة القانونية والأجهزة الإعلامية والموارد المالية… وكل وسائل الترغيب والترهيب إطلاقا، أن يشتكي ويخاف وينهزم أمام من لا يملك شيئا من ذلك إطلاقا، عدا نفسا وإيمانا وجسدا يضمهما.

يا لغرابة منطق:

حاوروهم.

. لا، إنهم ثلة قليلون، ولا حجة لهم!

اتركوهم إذن، فلا وزن كمي ولا نوعي لهم.

. لا، إنهم يشكلون خطرا!

احتكموا إذن إلى الصناديق، فأنتم تملكون الأموال والأبواق.

. لا، سيفوزون ويقطعون الطريق على الديمقراطية!…

فما العمل؟؟؟

لقد مضى عهد الغفلة والتغفيل والتغافل. فإما التوافق بالإقناع، أو الاحتكام إلى الصناديق، أو…

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقا

أعلمني عن
ترتيب التعليقات حسب:   الأحدث | الأقدم | الأكثر تقييما

كما تزعج أشعة الشمس أيضا الخفافيش التي لا تخرج الا تحت جنح الظلام بمساعدة قوى الاستكبار ودعمها المفضوح عندما تعبد لها الطريق كما يفعل الكيان الصهيوني لسوريا خدمة للقاعدة وعملاء الصهيونية والامبريالية

‫wpDiscuz