الرئيسية » عين حرة »

أعطوني عقولكم

من المؤكد أن من سيقرأ هذا العنوان ستذكره لفظة (أعطوني) بالمغنية (مجازا) الداودية التي صارت بقدرة قادر في الأيام الأخيرة محط نقاش وجدل، ليس فقط في الأوساط الغنائية حتى لا أقول الفنية، بل فرضت نفسها واقعيا وافتراضيا. فقد شاهد الأغنية في ظرف أسابيع قليلة أكثر من مليوني شخص، وصارت تنافس السيد رئيس الحكومة في النقاشات اليومية لمعظم المغاربة. والأدهى من ذلك صارت تتصدر افتتاحية الجرائد اليومية كما وقع مع الصحفي توفيق بوعشرين في جريدته أخبار اليوم، رغم سخونة المشهد السياسي والاجتماعي الوطني والدولي. فما  قيل عن الداودية وصاكها لهو أكثر مما قاله مالك في خمر، وأكثر مما قاله صحفيينا ومثقفينا عن مغاربة الدرجة الأخيرة ومعاناتهم مع الصقيع هناك بالمغرب المنسي، وأكثر ما قيل عن “الهمزة” التي سيصطادها البرلمانيون كتقاعد عن خدماتهم التطوعية، وأكثر من الاستحقاقات الانتخابية القادمة في تقطيعها ونمط اقتراعها وسلوكنا الانتخابي، وأكيد أكثر من تسريبات ويكيلكس وبنوك سويسرا.

وامتدت فتوحات سلطانة “الطرب” الشعبي لتصل إلى أبواب القضاء بعد أن قام محامي غيور جدا على قيمنا المحافظة برفع دعوى قضائية يتهمها بالدعوة إلى الفساد والتفسخ الأخلاقي. أكل هذا تفعله واحدة “باغا صاكها “؟ هل فعلا بأغنيتها تجاوزت كل الخطوط الحمراء وأتت بشي فري، أم أنها بأغنيتها تهدد مركزية الذكر الذي اعتاد في المسائل العاطفية والجنسية أن يكون هو المبادر والفاعل، والأنثى هي المفعول به؟

فالداودية هي المبادرة هنا والفاعلة “تدير حالة فالرجالة”، والرجل يقوم برد الفعل، الذي حصره معظم المستمعين في التحرش بعد استفزازات” الشعر الزعر والعكر الحمر” . لكن دعونا نناقش الأمر بتعقل ورزانة بعيدا عن اندفاعية وحماسة قد تخفي حالات لاواعية ونفاق اجتماعي. فكم من شخص يبيت ليلته يرقص على إيقاعها وعند الصباح يسب الأغنية ويتحسر على أيام أم كلثوم وفيروز ونعيمة سميح…؟

فالتحرش الجنسي أيها الأفاضل ثقافة عميقة متجذرة في ثقافتنا قبل أن تغني الداودية وقبل أن تولد. ومن التسطيح والسذاجة أن نربطه بهذه الأغنية أو بذاك الفيلم، فهو وليد فشل ذريع على كل المستويات تربوية، اجتماعية، تراثية، إعلامية. كيف يمكن أن تنتظر من فرد تربى على النظر إلى النصف الأسفل من المرأة باعتبارها موضوعا جنسيا و”آلة لتفريخ الأطفال وإعداد الطعام” أن يعتبر الأنثى عقلا وشريكا داخل المجتمع؟ وهل التحرش سلوك يطال فقط ” مولات الشعر الزعر والسروال المزيار” أم أنه يتوسع ليشمل المحجبة والمنقبة وصاحبة البرقع؟ أوليس من “إبداعاتنا” التحرشية “الله يجيب اللي ينوضنا للفجر(جملة حصرية على المحجبات)؟ ثم لماذا التحرش قليل في بعض الدول الأوربية (الكافرة) رغم الأغاني الإباحية والنساء كاسيات عاريات، وبالمقابل يحضر بقوة في دول عربية وإسلامية تفرض الحجاب على مواطنيها بالقوة؟.

قد يعترض على قولنا معترض بحجة أننا لا نحمل”المغنية” تهمة خلق التحرش وإنما فقط التحريض والدعوة العلانية والصريحة له وهذا أمر غير مقبول وغير مسبوق يهدد قيمنا و أبناءنا، فالفن رسالة نبيلة تربي على قيم الجمال وعلى المبادئ الفاضلة، إنها حجة وجيهة ومشروعة. ولكن دعونا نرى  بعض المقاطع من أغاني شعبية مغربية لم تثرها ما أثاره صك زينة ( مما يعني أن الضجة غير بريئة وإنما لغاية في نفس يعقوب) مع اعتذاري عن الكلمات الساقطة التي ستصدم حواس البعض غير المطلع على الأرشيف الشعبي:

بدايتنا “بالحاجة”الحمداوية التي لا يعرف عنها أصحاب فيديوهات اليوتوب إلا أنها مقابلة البحر ليرحل والمواج لتعوج. تقول في إحدى أغانيها “با لحسن بشوية..يمشي وييجي بشوية..راني عزبة لوالديا..راني عزبة من الركابي أأأأأح بشوية. (أعتقد الكلمات لا تحتاج لشرح وليس دعوة للتحرش فقط، بل عملية جنسية كاملة تستفز مخيلة المستمع).

ثم مجموعة تكادة في إحدى أغانيها تقول:”شفت عينو عين القفل.. تحابى شتو دخل هي هربت هو حصل”

وأخيرا حتى لا نكثر عليكم لنرى إحدى أغاني العونيات “لحلاوة فين كاينة الحلاوة ماشي هنا،ل حلاووة فين كاينة..لحلاوة تحت الحزام”، “تعالى حدايا ويلي وعنقيني، تعالي حدايا ناري ومرمديني،تعالي حدايا راه الليل طويل والروج قليل، تعالي حدايا عريان وعنقني”،” حك وجر نمشيو لفاس، أبو عيون نشربو شي كاس، أبو عيون أهيا العور،احك وجر بوشعكاكة أحك جر جاني دابا”(طبعا ليلة خمرية نواسية جنسية كاملة).

هذا ليس دفاعا عن الداودية ولا شرعنة وتطبيعا مع هذا (العفن والضجيج المنظم)، وإنما لكي نعرف بأن التربة الفاسدة لن تعطي إلا ما هو فاسد والفن الشعبي في جزء منه فاسد فهو يعد لليالي الحمراء والقصاير والكبريهات (مع تقديرنا لجزء من الفن الشعبي المحترم لنفسه وللذوق وللجمال).

فلا تنتظروا من فضلكم من الداودية أو الستاتية أو الصنهاجية أو الحمداوية أو… أن تغني مثلا “أعطني الناي وغني إن الغنا سر الوجود وأنين الناي أبقى حتى يفنى الوجود “.   أشرف بويا

 

 

 

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقا

أعلمني عن
ترتيب التعليقات حسب:   الأحدث | الأقدم | الأكثر تقييما

Thank you so much, you have just aprove what I was saying to some women who are blaming women for sexual harassement.

‫wpDiscuz