الرئيسية » عين حرة »

أعواد الزيتون!!

أينما وليت وجهك في هذه البلاد، ستجد المآسي والآهات، وستصادفك الآلام والمصائب التي لا يستطيع معها المرء تصبرا. أينما وليت وجهك سترمق عينك آثار التفقير والتهميش، ولأن حديث القلب ليس له موعد قار أو زمن مخصوص فقد داعني اليوم للوقوف على المنصة لأحدثكم، سأحدثكم اليوم عن الفاجعة. وما الفاجعة؟ إنني يا سادة، لا أكتب تحت الطلب أو ارضاء لهذا أو ذاك، أو لأجمع الجيمات والاعجابات، وانما أرى فأفكر فينطبع ذلك في خيالي فينساب على أناملي ثم يجمعه قلمي، استحسنه من استحسنه واستقبحه من استقبحه، كما قال المننفلوطي رحمه الله تعالى. سوف أحدثكم حديث القلب عن تلك الفاجعة.

بالأمس ألقت إلينا صفحة الأيام بخبر انتحار الطفل الذي كان يعيش في ضيق وفي ضنك ويرى أقرانه من أبناء الميسورين ينعمون بكل وسائل الراحة في مدارس راقية توفر لهم كل شيء، حتى من السيارات التي تقلهم ذهابا وايابا من وإلى منازلهم بما يتبعها من رحلات وخرجات وأنشطة موازية تتكلف تلك المدارس بتنظيمها، زيادة عن ما يوفر لهم من أدوات وبرامج ومعدات لا يجد الطفل معها أي صعوبة في التلقي داخل الفصول.

هذا الطفل الذي يرى كل هذا البون الشاسع بينه وبين أقرانه كيف سيكون شعوره وهو يحمل محفظة مخرقة فيها دفتر وقلمان ونصف مسطرة وكتابان يضعها على كتفيه شبه العاريتين إلا من شبه قميص مخرق الجوانب تحته تُبان لا يكاد يغطي نصف ساقيه النحيلتين وأسفلهما “صندالة” شُدت أطرافها بخيوط البلاستيك.. كيف سيكون شعوره وهو يقف على الرصيف يرى “مروة وإلياس وسندس وسامي” تأخذهم المربية بحنان ولين وهو يزدلفون الى أحشاء العربة الصفراء.. ماذا سيرِدُ على ذهنه وهو يعاين تلك العربة قد أغلقت أبوابها وأثارت خلفها زوبعة الرماد تكتنفه بغمامها وخبيث ريحها.. ماذا له أكثر من أن يفرك بأصابعه الرخيمة حواصل عينيه ريتما ينقشع الغبار ليلملم شتات “صندالته” وينصرف الى بيته الخرب أو إلى مدرسته التي ليس لها من الصفات الا السمات.. ماذا له أكثر من أن يحمل ذلك في دواخله ويكتمه ثم يبتسم لأمه كي لا يشعرها بحزن ولا كآبة..

لقد انتحر الطفل.. أو قل لقد نحروا الطفل ..أو قتلوه.. فلن تستغرب النفس مشهد راشد أنهى حياته شنقا أو ارتماءً من فوق صور.. وإن كان في الأمر غرابة طبعا.. لكن الذي يُرغم الذهن على الوقوف حائرا أن ينتحر الأطفال!!.. وهي ظاهرة ما سمعنا بها قط لا في شرق الأرض ولا في غربها.. وأنا اليوم لا أومن ولا أصدق أن الطفل قد انتحر.. الطفل نحروه..الطفل علقوه على أعواد الزيتون وقالوا له مت.. ولأنه طفل لا يجيد اصطناع الشخصيات ولا حفظ مسالك التأويلات قال لهم نعم سأموت.. فمات.. نعم قتلوه وصفَّوه كما تُصفى باقي النفوس عندما تقف على أبواب المشافي يحول دونها والتطبيبَ نقص مالٍ أو عوزَ جاهٍ.. أو كما تُصفى النفوس على قوارع الطرقات التي سُرقت ميزانيات بنائها.. أو كما تصفى النفوس بردا وحرا وقرا في بيوت القصدير على أرصفة المدن وهوامشها.. كل ذلك يقول للناس موتوا كما مات طفلكم..

نعم قتلوه.. قتل الله من سرق ماله ونهب خيره ورمى بالفتات في وجهه وقال له مت.. وكأني به -عوضه الله عن دنياه خيرا- وهو يتقدم الى حبل مشنقته يتحسس يدا تدفعه الى الشجرة دفعا.. يتحسس الأقلام والدفاتر والألوان والأمقص قد تشابكت تصنع حبلا يتدلى من علُ وكأني بمن سرق خيره في هذا الوطن يُطوق عنقه النحيف بطوق التفقير والتبخيس والتهميش ويشد القبضة جيدا كي لا يسمع أبناؤه الصراخ فينزعجوا في مدارسهم، أو كي لا يقف مرة أخرى وقفته المبتدلة أمام العربات الصفراء حتى لا يطلع أبناؤه على مغرب أخر قد ينطبع في أذهانهم الصغيرة ثم يكبر معهم حيثما كبروا.

نعم شد الخناق عليه جيدا ولا تدعه حتى يخر صريعا.. لا تدعه حتى ولو رفرفت طيور الكون كلها فوقكما تستجديك.. حتى ولو انحشرت وحوش الغاب جميعها تستعطفك.. شد الخناق لا رحمة بعد اليوم..

شد الخناق فمن اليوم لأولادكم الراحة والحياة.. ولأبنائنا العذاب وأعواد الزيتون.

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقا

أعلمني عن
‫wpDiscuz