الرئيسية » عين حرة »

أمات فينا الإنسان؟

كل شيء حمال أوجه، ومهما أخذت لابد يوما أن تعيد ما أخذت وتزيد عليه، وإن سرقت من الحياة ابتسامة قيدتك آلهة الحزن برموشك عند أعلى صخرة بتوبقال، وأوحت إلى دب أن ينهش ما تبقى من كبدك بعد أن تقيأت بعضه، ومضغت البعض الأخر تحسرا على الوطن وأبنائه وعلى يوم ولادتك وعقيقتك.

كلما فركت أصابعك وهممت إلى فراشك تغمغم بكلمات تكاد لا تبين، وأخذت تحس بالدفء يغازل أناملك والكرى يحوم بمقلتيك، وشرعت مخيلتك تطوي الزمان والمكان، وتنسلخ من عقال اليومي ولو لحين. استحضرت سورة مغاربة البرد والصقيع. مغاربة استباح القر أجسادهم السقيمة، واستوطن أضلاعهم، وخالط منهم الدم قبل اللحم، وملأ فراغ القلب، وجرح خدودا بريئة اعتادت أن تحمل خصلات الشعر المبعثرة، وأن تحمر استحياءا وعفافا، وتعير سخونة الدمع المنسكب عند أنشودة تتغنى بمفاخر الوطن. من أين الرقاد وصورة عجوز تتلوى من طعنات سيوف القر تقيم عند وسادتك؟.

كلما مسدت باطن اليد تشه في طعام هيأته بصبابة بعد طواء. استحال مذاق الطعام في فمك أجاجا عند أول لقمة، وأنت تتذكر جياع الوطن وضحاياه، من لا يجدون إلا اللعاب يلكنه كقطعة مطاط، أو يتصيدون القمامة عند أبواب فيلات المنعم عليهم غير المغضوب عليهم والضالين. من أين النهم ونحيب طاو يصم الأذان؟.

كلما أخذك الضيق من عملك، واشتكيت من توعره وتعسره، وأخذت تندب حظك، وترثي نفسك. لزاما عليك استذكار من تقرحت أخمص قدميه بحثا عنه بلا طائلة، ومن تدفق دمه شلالا يروي شوارع العاصمة، ومن تعرض بقايا اللحم المقدد على الرصيف لراعي العير فر من حمارة القيظ.  أيوجد عسر أفدح من أن تبيع اللذة بالألم؟

كلما عانقت أمك، واحتميت بحضنها، وطرحت الصعاب عند أعتابها المقدسة. وكلما قبلت هامة الأب، ورب على كتفيك اعتزازا وزهوا. تذكر أيتام “الوطن” على موائد اللئام، ورؤوسا امتلأت دمعا حارا ولم تجد حضنا ترويه، لم تجد أما ولا أبا حتى على الأوراق الرسمية. ما أقصى أن يربطك بالوطن ورق ورقم فقط؟

كلما أوشكت على وضع علامة على رمز وشعار، تمهل لحظة، فالصوت يصنع المستقبل، يصنع الدفء، يصنع الإنسان. والصانع لا يوزع الدريهمات والولائم والوعود والابتسامات الماكرة. فالسياسة وإن صنعت الرجال صنعت التجار ومصاصي الدماء والعرق. فيا وطني أين شرفاؤك؟

هؤلاء مغاربة البطاقة الوطنية، خزان الدكاكين الحزبية ليوم الكرنفال الانتخابي، آلات الإقطاع، أيادي الرأسمالي المتعفن، وأوراق”نعم” عند ورطة الاستفتاءات.

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقا

أعلمني عن
‫wpDiscuz