الرئيسية » عين حرة »

أوراق الخريف (2)

حكاية طفل يصارع من أجل الحياة
ما أدراك ما العقبة…
أكملت دراستي الابتدائية بمدرسة قروية معزولة…لكن الجمع بين الهندسة التطبيقية والفنون الجميلة في الفن المعماري الفرنسي حولا المكان الى جنة صغيرة، وأبدعا بناية تتوفر في جنباتها كل أسباب السعادة والراحة بالنسبة الى طفل قروي لا تزال بيئته الاجتماعية مشدودة بأوثق الروابط الى خشونة الماضي بمسكنه ولباسه وعاداته….
كان أهم شيء بالنسبة إلي في هذه الفترة من طفولتي هو النجاح في الشهادة الابتدائية والسفر الى مدينة وزان لمتابعة دراستي الإعدادية، كان ذلك حلما بعيد المنال وكان أيضا على وشك ألا يتحقق وكنت فعلا دائم الخوف من ألا يتحقق مدى العمر…
ان الإنتقال إلى مدينة وزان يقتضي النجاح في الإمتحان الإشهادي والنجاح يتطلب العمل والجد والإجتهاد والمثابرة… وأنى لنا هدا والمعلمان المكلفان بتدريسنا يدخلان التلاميذ الى القسم، ويخرجان توا الى المقهى للعب الكارتة مع الأهالي حتى تنتهي الفترة الصباحية صباحا أو المسائية مساء، ونقضي الوقت كله في اللعب والقفز على الطاولات والتفرج على المناظر الطبيعية من النوافذ الزجاجية التي كان يغلقها المعلمان باحكام…
وعندما حل موعد الامتحان الاشهادي، أخبرنا المعلم أن الحضور إجباري الى المدرسة يوما قبل الامتحان الدي سيجري بعيدا عن مدرستنا بخمسة كيلومترات … في المدرسة المركزية بقيادة زومي…
إجتمعنا في ساحة المدرسة في الموعد المحدد…وكلف المعلم حارس المدرسة بمرافقتنا الى زومي، وساقنا الحارس مثنى مثنى على طول خمسة كيلومترات والعصا في يده حتى وصلنا عاصمة الجماعة، وشرع الحارس يطوف بنا عبر طرقات وشوارع القرية ويسرد علينا أسماء الاماكن التي نمر بها ،ثم قطعنا جسر واد صغير لنصل الى المدرسة المركزية من خلال طريق تحف جنباته مناظر خلابة ،يعود الفضل فيها الى الله من جهة والى عبقرية الهندسة الفرنسية من جهة ثانية…
أما المدرسة فهي عبارة عن تحفة هندسية قل نظيرها…
عرفنا الحارس على خطة الطريق التي يجب أن نسلكها غدا الى المدرسة ،وقبل غروب الشمس بقليل طلب منا أن يتدبر كل واحد أمره في المبيت …وشرعنا نتفرق وراح كل واحد منا في طريق…
قضيت الليلة مع عمي الذي كان يشتغل في صفوف القوات المساعدة …وفي الصباح توجهنا أنا وابن عمي الى المدرسة لاجتياز الامتحان الاشهادي…
وعندما ظهرت النتيجة أسرعنا الى المدرسة لنطلع على أسماء الناجحين فإذا بالسبورة مكتوب عليها:
الناجحون بمدرسة تغنيث:لا أحد

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقا

أعلمني عن
ترتيب التعليقات حسب:   الأحدث | الأقدم | الأكثر تقييما

سرد قصصي شيق بلغة سلسة رشيقة،نقلت ببراعة مخزونا هائلا من الصور والأحاسيس الدفينة ،التي كان لها أبلغ الأثر في حياة السارد…
راقني هنا رسمك للطبيعة الخلابة في شمال المغرب…وإشارتك إلى تصرف المعلمين كانت وراء نجاح القفلة التي ختمت بها النص…

نص سردي بامتياز، متكامل العناصر محكم الأسلوب…يسرني أن اقرأ نصوصا كهذه تحكي واقعا مهما تناثرت أجزاؤه عبر الوطن…كانت النتيجة وحيدة واحدة: لا احد….للوطن.
نص مليء بالحسرة…الواقعية

شكرا لك

‫wpDiscuz