الرئيسية » عين حرة »

أية حياة للإنسان بعد فقدانه للعقل؟

من منا لا يعلم مصير العديد من الأشخاص الذين شاءت الأقدار أن يصبحوا مشردين بين عشية وضحاها وجدوا أنفسهم عرضة للإقامة بالشوارع،  يلتحفون السماء ويفترشون الأرض ويأكلون من القمامات،  ولأسباب تختلف من شخص لآخر وجدوا أنفسهم يتقاسمون حياة يعيشونها وكأنهم يقضون عقوبة الأشغال الشاقة مدى الحياة نظير جرم لم يرتكبوه، ويتعايشون مع مخاطر جمة بمختلف المدن بدون فوارق اللهم من معاناة دائمة ولا تزول.
وزان إحدى المدن المغربية التي أصبحت تعج بالمتسكعين والمشردين، ومنذ وقت ليس بالقصير هذا الواقع المرير يعرض الساكنة وأطفالها بشكل دائم للكثير من المخاطر، والسبب الوضع الهستيري والخطير الذي تعانيه بعض الفئات من هؤلاء الحمقى والمشردين، وكيف يتغير مزاجهم العكر وتتبدل انفعالاتهم تجاه المارة في الشارع العام وبمختلف أبواب المؤسسات والمدارس؟ والهادئ من بين هؤلاء يعيد قراءة سيرته غير المرتبة والمدونة في دماغه دون ورق ولا حبر ولا قلم إنهم أشخاص فقدوا كل شيء، يجوبون شوارع المدينة، ولا تهمهم قسوة البرد شتاء ولا حرارة الجو صيفا، لا يخشون الليل ولا تفزعهم همهمات المارة على مقربة من الفجر موائدهم الوحيدة قمامات الأزبال، بها يتناولون الفطور ومنها يكون الغذاء ومن بين فضلاتها ينتقون العشاء.

مشردين بمدينة وزان

مشردين بمدينة وزان

من المسؤول عن هذا الوضع يا ترى؟ هؤلاء أناس كانوا بالأمس بيننا يساهمون في بناء الوطن، ومنهم من كان مدرسا يربي الأجيال أو موظفا يؤدي الخدمات أو…. هم بضعة أشخاص أو بضع عشرات ذكورا وإناثا، وجدوا أنفسهم دون سابق إنذار عرضة للشارع في غياب الأسرة والمجتمعّ، هي نوعية من المجتمع فقدت صلاحيتها، لم تعد تنفع للاستعمال اليومي ولا للاستغلال بمختلف المحطات، لن تصوت ولن تترشح ولن تساهم فيما تبقى من الحملات الانتخابية، لا يرجى لها دور في المناسبات الدينية والوطنية، هم فقط أناس يعيشون في انتظار الموت، الكل منا ينتظر الموت ولكن بالنسبة لهؤلاء أصبح الوضع مجرد موت بطيء يعاد كل يوم عشرات المرات على أرصفة شوارع لم تعد ترحم، يدارون آلامهم مرة بالصياح وأخرى بالانبطاح، وقد يصل الأمر للضرب والتكسير وإحداث الخسائر نتيجة هيجان داخلي يمكن ان يحدث في أي لحظة، لا مجال للحديث مع مثل هؤلاء عن النظافة والحمام والتطبيب والدواء لأن مثل هذه الأشياء استعصت على ذوي العصبة من هذه الأمة، فكيف مع أناس يحتضنهم الشارع خلال السنة إثنى عشرة شهرا تلوا الاخرى؟
كل منا يعرف بعضهم أو جلهم، بينهم ذوي شواهد عليا عجز الوطن أن يجد لهم عمل، ومهنيون جرهم نحس الزمن لسواد الغدر، وحرفيون لم يعد يسعفهم العقل على الابتكار والإنتاج، وتجار أصاب عقولهم الكساد، و أطر من كثرة الهموم فقدوا كل التركيز ومعها اختل العقل، بينهم من كان في الماضي القريب ممن يعتمد عليهم في تدبير قضايا ذات شأن، إنهم ببساطة أناس فعلوا شيئا مما نفعل نحن اليوم، دافعوا عن الوطن أو انتصروا لقضاياه الأساسية أو الفرعية، لكن لدوافع وأسباب نجهلها ساقهم قدرهم إلى جحيم مرارة الحياة حيث هدر كل ما بقي من كرامتهم كبشر ومواطنين كانوا يوما أحرار.
اليوم لابد من طرح أسئلة مقلقة حول هذه الفئة من الناس، هل هناك إحصائيات دقيقة لخريطة التشرد بالمغرب؟ ألهؤلاء حقوق على المجتمع والدولة؟ هل هناك قطاع حكومي يهتم لهذه الفئة من الناس؟ هل يجحد الوطن أبناءه لهذا الحد؟ هل المختلون والحمقى والمشردون قدرهم بالمغرب الشارع العام؟ هل من الحكمة والحق شرعا وقانونا أن نترك هؤلاء حيث هم وبالشكل الذي هم عليه ؟
حان الوقت لتضع وزارة التضامن والمرأة والأسرة والتنمية الاجتماعية إستراتيجية مندمجة لإيواء هذه الفئة وإعطائها العناية الخاصة احتراما لمبدأ حقوق الإنسان، وحماية للمجتمع، إنه ليحز في النفس أن تتجاهل الحكومة هذه الشريحة وتترك الزمان يفعل بها ما يريد، أم أن مجرد اعتبارها كائنات بشرية لا تسمن ولا تغني من جوع كاف ليضعها على الهامش طوال ما بقي لها من الحياة، من جهتنا ندق ناقوس الخطر اعتبارا لكون الوطن كل لا يتجزأ، ولكون الإنسان يبقى دائما معرض خلال وجوده للمخاطر، ولكون فقدان القدرة على تدبير ملف مختل أو غيره من قبل أسرة يضع مسؤولية تقتضي المحاسبة على عاتق المجتمع، وباعتبار المجتمع تمثله الحكومة فهي تبقى مسؤولة عن تدبير هذا الملف مهما كانت التكلفة،  فهل ستتحرك أم سيبقى الحال على ما هو عليه؟ تلك قضية أخرى، أكيد سنعود لها ذات مرة.

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقا

أعلمني عن
ترتيب التعليقات حسب:   الأحدث | الأقدم | الأكثر تقييما

اكيد هذا عمل مميز ويستحق المتابعة. ولكن حكومة ارهقت الاسر هل ننتظر منها ان تفكر في الحمقى والشردين ؟؟؟ انتهى الدين والوكن في ايجي من لا يرحم. ولا حول ولا قوة الا بالله

‫wpDiscuz