الرئيسية » عين حرة »

إطلالة على المجلس الأعلى للأمن

ارتقى الدستور الجديد بالمجلس الأعلى للأمن إلى موقع مؤسسة دستورية تشاوريه بشأن الاستراتيجيات الأمنية للبلاد، تنحصر مهمته الأساسية في القيام بثلاثة وظائف تتعلق بالتشاور حول: إستراتيجية الأمن الداخلي والخارجي للبلاد، تدبير حالات الأزمات، والسهر على مأسسة ضوابط الحكامة الأمنية الجيدة. إضافة إلى ذلك من المنتظر أن يتولى المجلس الأعلى للأمن مهمة التنسيق بين العديد من المصالح المتداخلة في المجال الأمني بالمغرب منها: المديرية العامة للأمن الوطني، والمديرية العامة للدراسات والمستندات، والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، والاستعلامات العامة، والدرك الملكي، ومصلحة الاستعلامات العامة للقوات المساعدة ومصالح الاستعلامات العسكرية، وهو الأمر الذي سيساعده على القيام بمهمة دراسة المعلومات الواردة عليه من مختلف المصالح لعرضها على أصحاب القرار.

وعلى مستوى القيادة منح المشرع الدستوري رئاسة المجلس الأعلى للأمن إلى الملك باعتباره القائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية، كما منحه إمكانية أن يفوض لرئيس الحكومة صلاحية رئاسة اجتماعات المجلس، لكنه قيد هذا التفويض بضرورة وضع جدول أعمال محدد، كما منح الدستور ولأول مرة للمدنيين المساهمة في تدبير الشأن الأمني بالمغرب من خلال وضع سياسات عمومية أمنية تتوخى ترسيخ مبادئ الحكامة الأمنية الجيدة إذ تتكون تركيبة المجلس الأعلى للأمن إلى جانب العسكريين من: رئيس الحكومة، رئيس مجلس النواب، رئيس مجلس المستشارين، الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، وزير الداخلية، وزير الخارجية، وزير العدل، الوزير المكلف لدى رئيس الحكومة المكلف بإدارة الدفاع الوطني، المسؤولين عن الإدارات الأمنية وضباط سامين بالقوات المسلحة، شخصيات مدنية وعسكرية يعتبر حضورها مفيدا لأشغال المجلس كالخبراء وغيرهم من المتخصصين.

وإذا كان المشرع الدستوري كان واضحا من حيث التركيبة والاختصاصات، لكنه مع ذلك ترك مجموعة من التساؤلات حول هذا الفصل-54-، والتي يمكن نحصرها فيما يلي:

أولا: ما بين الباب ”الثالث” والباب ”الثاني عشر” من الدستور

إذا كانت الحكامة الأمنية من المعايير الأساسية للتحوّل الديمقراطي في أي بلد، التحوّل الذي سيجعل الأجهزة الأمنية المكلفة بحماية الأمن والنظام العام تشتغل تحت سلطة الحكومة الدستورية، وتخضع في تصرفاتها لرقابة القضاء ولمساءلة البرلمان ولتحريات لجان تقصّيه النيابية التي تستمدّ مشروعيتها من الدستور والقانون، وإذا كان إحداث المجلس الأعلى للأمن يهدف إلى بالدرجة الأولى إلى مأسسة ضوابط الحكامة الأمنية الجيدة، فان أول تساؤل يطرح في هذا المجال هو: لماذا لم يتم التنصيص على هذا المجلس في الباب الثاني عشر الخاص بالحكامة الجيدة؟

ثانيا: موقع الحكومة من قطاع الأمن

إن التنصيص على المجلس الأعلى للأمن في الفصل 54 من الباب الثالث الخاص بالملكية يعطي، من جهة، إشارة ضمنية إلى كون السياسات الأمنية ليست سياسات عمومية، أي لا تقرها الحكومة، وهو الأمر الذي يجعل الحكومة المغربية لا تعتبر هذا الإصلاح من أولويتها، ومن جهة أخرى، فان قطاع الأمن بالمغرب يقرر فيه الملك، كما أن الأجهزة الأمنية تابعة له، ولذلك ليست مسؤولة أمام أي هيئة مدنية آو سياسية. بالمقابل، وبالرجوع إلى الفصل 89 نجد أن الإدارة موضوعة تحت تصرف الحكومة، ومنها بطبيعة الحال إدارة الدفاع الوطني والإدارات الأمنية، كما أن الفصل 49 – الخاص باختصاص المجلس الوزاري- يعطي لرئيس الحكومة حق اقتراح المسؤولين عن الإدارات المكلفة بالأمن الداخلي، الأمر الذي يعطي دلالة على أن الدستور أعطى لمؤسسة الحكومة الحق بالتدخل قطاع الأمن،،،، وهو الأمر الذي يفرض معه ضرورة إعادة التوازن بين المؤسسة الملكية ومؤسسة الحكومة، وتفعيل دور هذه الأخيرة فعليا ومع إشراك جميع المتدخلين.

ثالثا: إشكالية النظام الداخلي

إذا كان المشرع الدستوري قد فصل في تركيبة المجلس الأعلى للأمن بموجب الفصل 54 من الدستور، فانه ترك لبسا واضحا في قواعد تسييره خصوصا عندما نص في الفقرة الأخيرة من هذا الفصل على ”… ويحدد نظام داخلي للمجلس قواعد تنظيمه وتسييره…”، وهو الأمر الذي يتعارض مع مفهوم تكاملية ووحدة النص الدستوري، حيث أن هذه الفقرة تتعارض كليا مع الفصل 71 من الدستور والذي يحدد الميادين التي يشرع فيها البرلمان، والتي من بينها التشريع في ”… نظام مصالح وقوات حفظ الأمن…” والذي كان من ثمرات المبادئ العامة لتوصيات هيئة الإنصاف والمصالحة لمحاولة الابتعاد عن التحكم خارج ضوابط القانون. من هنا تطرح مجموعة من التساؤلات حول استبعاد مؤسسة البرلمان من التشريع في هذا الميدان، هل الأمر راجع لكون الدولة تملك ميزانيات خاصة بالتسليح وشراء المعدات والأجهزة، بالإضافة إلى الميزانيات السرية لدى المخابرات، وبالتالي لا يتم الاطلاع عليها في البرلمان ولا أحد يقول أن هناك قصورا أو تدبيرا جيدا.

رابعا: خرق مبدأ تسلسل القواعد القانونية

في مجمل النص الدستوري نجد أنه حدد لكل الأجهزة المحدثة بموجبه قانونا تنظيميا يحدد قواعد تنظيمها وتسييرها ويصادق عليه البرلمان، لكن في حالة المجلس الأعلى للأمن نجد أن المشرع الدستوري ذهب عكس ذلك تماما، وهو الأمر الذي يشكل استثناءا وخروجا عن مبدأ تسلسل القواعد القانونية، بحيث يتم عادة المرور من الدستور إلى القواعد التنظيمية أو إلى القانون العادي قبل التحضير وإعداد النظام الداخلي، كما هو الحال، مثلا، بالنسبة لغرفتي البرلمان اللتين عليهما إعداد نظامهما الداخلي بعد المرور حتما عبر القانون التنظيمي.

خامسا: ما بين تعيين الحموشي والحكامة الأمنية، والمجلس الأعلى للأمن

إذا كان الإصلاح الأمني، اليوم، يعتبر مدخلا رئيسيا للإصلاح السياسي، وإذا كان إحداث المجلس الأعلى للأمن يشكل، نوعا من مداخل الإصلاح المؤسساتي، ومحفلا للتشاور الجماعي حول التحديات الأمنية والسياسة الخارجية التي تواجهها البلاد في مجال الأمن والنظام العام وتدبير الأزمات، وبالتالي تحديد الإجراءات الملائمة لكل حالة، لأنه من الناحية النظرية يضم مدنيين وعسكريين، وسيؤدي نسبيا إلى تقارب النخب…..، وإذا كان المغرب ينتظره استحقاق أمني كبير يتعلق بتنزيل الفصل 54 من الدستور والمتعلق بإحداث المجلس الأعلى للأمن والذي من المفترض أن يعمل على مأسسة ضوابط الحكامة الأمنية الجيدة….، فإنه من الناحية الواقعية، وبالعودة إلى واقعة تعيين عبد اللطيف الحموشي والذي جمع بين إدارة المخابرات بكل تفرعاتها وإدارة الأمن الوطني، يطرح أكثر من سؤال حول طبيعة الحكامة الأمنية التي نريدها لهذا الوطن؟ هذا الجمع بين إدارة جهاز المخابرات كجهاز سري وإدارة جهاز الشرطة كجهاز علني، هو توجه مناف لمبدأ الحكامة الأمنية الذي يفترض ضرورة الفصل بين المسؤوليات الأمنية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإخضاع عمل الأجهزة الأمنية لسلطة الحكومة الدستورية، ولرقابة السلطتين القضائية والتشريعية.

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقا

أعلمني عن
‫wpDiscuz