الرئيسية » عين حرة »

الأوراق التجارية: ظهورها – تعريفها – خصائصها

كان لخطورة نقل النقود والمعادن الثمينة من أجل الاتجار، أثر في دفع التجار منذ القديم إلى ابتكار وسائل قانونية يتفادون بها تلك المخاطر، تتمثل في صكوك خاصة تشبه الحوالة، وقد ذكر المؤرخون أن هذه الصكوك كانت قديمة، وكان أول ما ظهر منها الكمبيالة التي عرفها الفرس والعرب أيضا، ونقلوها إلى الأمم الأوربية.

غير أن انتشار استعمال الصكوك التجارية، وخاصة منها الكمبيالة والسند لأمر، كان في القرون الوسطى على يد التجار الإيطاليين بسبب ما عرفته الجمهوريات الإيطالية انذاك من انتعاش تجاري صاحبه تعدد المدن والأسواق التجارية، الشيء الذي كان يفرض على التجار نقل النقوذ بين تلك المدن والاسواق، فكان البديل عندهم في ذلك هو الأوراق التجارية التي كانت تكفيهم مشقة نقل النقود وخطورتها.

وباعتبار الكمبيالة أقدم الاوراق التجارية شيوعا، فقد مرت بمراحل في تنظيمها قبل أن تصل إلى شكلها الحالي، هذا الشكل، الذي وضعه مؤتمر جنيف، حين أصدرت قانونا يوحد قواعد الأوراق التجارية، بعد أن شعرت الدول الاوربية في أواخر القرن 19 وبداية القرن 20 بضرورة ذلك التوحيد نظرا لكثرة تداول الأوراق التجارية فيها، مما خلق مشاكل قانونية ناتجة بالخصوص عن اختلاف قواعد الأوراق التجارية المطبقة في كل منها.

وقد أصدر المؤتمر المذكور قانونين، أولهما في 7 يونيو 1930 سمي بقانون جنيف الموحد المتعلق بالكمبيالة والسند لأمر، والقانون الثاني في 19 مارس 1931، سمي بقانون جنيف الموحد المتعلق بالشيك.

وكان المغرب من الدول التي أدخلت قانون جنيف الموحد إلى تشريعاتها التجارية، حيث أدخل القواعد المتعلقة بالكمبيالة والسند لأمر بمقتضى ظهير 19 يناير 1939، كما أدخل بمقتظى ظهير اخر مؤرخ في نفس التاريخ، القواعد المتعلقة بالشيك، غير أن المشرع أدمج فيما بعد القواعد الواردة في الظهيرين السابقين في مدونة التجارة الجديدة التي صدرت بمقتضى القانون رقم 15-95 الذي صدر ظهير شريف بتنفيذه في فاتح غشت 1996، هذه المدونة التي خصصت الكتاب الثالث منها، للأوراق التجارية.

تعريف الأوراق التجارية وخصائصها:

الأوراق التجارية هي سندات تمثل نقودا تدفع في مكان معين وفي ميعاد معين، وتقوم مقام النقود في الوفاء بسبب سهولة تداولها.

   ولم يعرف القانون المغربي الاوراق التجارية، شأنه شأن باقي القوانين المقارنة وكل ما فعله هو أنه سماها قانونا: الاوراق التجارية، حيث جمعها تحت هذا العنوان في مدونة التجارة، الشيء الذي لم يكن في القانون التجاري الملغى.

   وتتميز الاوراق التجارية بخصائص معينة تجعلها تؤدي وظيفتها كأداة للوفاء تقوم مقام النقود في المعاملات، وتميزها عن غيرها من السندات المشابهة، ومن هذه الخصائص:

  • الأوراق التجارية هي سندات شكلية: تعتبر الأوراق التجارية سندات شكلية، لأنها تحرر وفق بيانات إلزامية نص عليها القانون، يؤدي تخلفها مبدئيا إلى بطلان السند كورقة تجارية. ويرجع السبب في هذه الشكلية إلى أن الأوراق التجارية تمثل حقا بمبلغ من النقود يكون معدا بطبيعته للتداول والانتقال من شخص إلى اخر، بحيث يتشكل ارتباط عضوي بين الورقة التجارية ومبلغ الدين الذي تضمنته، مما أصبحت معه الأوراق التجارية تمثل بذاتها مبلغا معينا من النقود.
    وينتج عن صفة الشكلية هذه للأوراق التجارية، أنه لا يجوز إثبات هذه الأوراق بالشهادة أو باليمين أو بغيرها من وسائل الاثبات، بل لا بد أن يكون الإثبات كتابة.
  • الأوراق التجارية هي سندات قابلة للتداول: تتداول الأوراق التجارية بين التجار أو غيرهم بالطرق التجارية، بمعنى أنها تنتقل إما بطريق التظهير أو بالمناولة اليدوية، ولهذا يكون تداولها من جهة سريعا يشبه تداول النقود، يكون من جهة أخرى أسهل وأبسط من الطرق المقدرة لحوالة الحقوق المدنية التي تخضع لإجراءات بطيئة ومعقدة لا تتفق وما تستلزمه التجارة من بساطة وسرعة.
  • الأوراق التجارية هي سندات تمثل دينا من النقود: يشترط أن تحرر الورقة التجارية بمبلغ من النقود، فهي تمثل حقا نقديا، ذلك أن السندات التي تتضمن دفع مبلغ من النقود في أجل معين هي وحدها التي تصلح أن تقوم مقام النقود في المعاملات التجارية، وتتهيؤ لها فرص التداول السريع، وبذلك تخرج من عداد الأوراق التجارية السندات التي تمثل بضاعة أو سلعة، حتى ولو كانت تنتقل بنفس الطرق التي تنتقل بها الأوراق التجارية، مثل سندات الشحن ، وسندات المخازن العمومية، فهذه ومثيلاتها تعتبر سندات تجارية وليست أوراقا تجارية، لأنها تمثل حقا ببضاعة وليست بمبلغ من النقود، رغم إمكانية تداولها بالطرق التجارية.
  • الأوراق التجارية هي سندات مستحقة الدفع بمجرد الاطلاع أو بعد أجل قصير: تمثل الورقة التجارية دينا مستحق الدفع بمجرد الاطلاع أو بعد فترة قصيرة، حسب نوع الورقة التجارية، وعادة ما يكون الأجل في حدود الثلاثة أشهر، وقد يتجاوزها إلى ستة أشهر، لكنه قلما يتجاوز السنة، وبذلك تخرج من عداد الأوراق التجارية: القيم المنقولة من أسهم وسندات، لأنها و إن كانت تشبه الأوراق التجارية باعتبارها سندات تمثل دينا بمبلغ من النقود، إلا أنها تستحق بعد اجال طويلة قد تمتد عدة سنوات.
  • استقلال التوقيعات في الأوراق التجارية: يقصد باستقلال التوقيعات في الأوراق التجارية، أو ما يسمى أيضا بقاعدة عدم التمسك بالدفوع أو تطهير الدفوع ، أن كل من وقع على ورقة تجارية يلتزم التزاما صرفيا مستقلا عن الالتزامات الصرفية للموقعين الاخرين، ويترتب على ذلك أن بطلان التزام أحد الموقعين بسبب من أسباب البطلان كانعدام الأهلية أو التزوير أو عدم مشروعية السبب لا يؤثر على صحة التزامات باقي الموقعين.
  • عدم تجديد الالتزام الصرفي في الاوراق التجارية: ويعني ذلك أن الالتزام القديم الذي حررت من أجله الورقة التجارية أو ظهرت، لا يتجدد أو يستبدل لمجرد تحوير الورقة التجارية أو تظهيرها، ويترتب على عدم تجديد الالتزام الأصلي أن دعوى الدائن الناتجة عن الالتزام القديم لا تسقط بمجرد قبوله الورقة التجارية لتسوية هذا الالتزام، فلو سلم مثلا المشتري أوراقا تجارية للبائع، فإن ذلك التسليم لا يكون إلا مجرد وسيلة أداء لا تفرض بحد ذاتها أن الطرفين قصدا انقضاء الدين القديم، بحيث يفقد الدائن الحق في التمسك به.

هذا باقتضاب ما يتعلق بالأوراق التجارية من خلال تحديد مفهومها وكذا خصوصياتها، على أننا سنقوم –إن شاء الله- بتحديد أنواعها المتمثلة بالأساس في: الكمبيالة، السند لأمر والشيك التي تناولها المشرع المغربي في الكتاب الثالث من مدونة التجارة، إذ سنخصص مقالا لكل نوع على حدى.

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

بدر الصيلي

دكتور في الحقوق (القانون الخاص) - متصرف بالإدارة المركزية - مدير المكتب المحلي لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير بوزان.

عدد المقالات المنشورة: 4.

خلاصات بدر الصيلي

اقرأ لنفس الكاتب:

اترك تعليقا

أعلمني عن
ترتيب التعليقات حسب:   الأحدث | الأقدم | الأكثر تقييما

تحية طيبة سيدي الدكتور الصيلي بدر،موضوع الأوراق التجارية جدير بالإهتمام، أشكرك على المعلومات ،أتساءل هل من الممكن تأطير ورشة حول هذا الموضوع بتعاون مع النيابة الإقليمية لوزارة التربية الوطنية،إذا كان الجواب إيجابا المرجو الإتصال بالرقم 0613187156 و شكرا
حمزة ودغيري من مكتب الانشطة بنيابة وزان

‫wpDiscuz