الرئيسية » عين حرة »

الإصلاحيون الجذريون

الجمع بين الأضداد لا يقبله عقل ولا يستسيغه منطق، فهو فوق العادة وتحت الصفر في ميزان العرف، وهو أمر يبدو ملتبسا عنيدا وعصيا عن الفهم والإدراك المستريح لليقينيات وللجاهز وللمكتمل، المصدق للمعطى الذي يصبح دليلا هكذا خوفا من الاستشكال وعجزا أمام الأسئلة التي تحفر مجراها عكس التوقعات والمسلمات والبديهيات والسابق الإيمان به..

من هنا كان الاعتقاد – ولا يزال – عند الكثيرين أن الجذرية نقيض الإصلاح وانزياح عنه، وأنها الدرجة الرفيعة التي يبدو معها الإصلاح وكأنه نقيصة من النقائص.. أو من النواقض والمفسدات أو من مسببات النكوص والخذلان. والحاصل أن العقل الخطابي غالبا ما ينتصر أمام توالي الهزائم والخيبات مما يدفع إلى الغلو في التبرير أكثر، تبرير الفشل بفشل أعمق وتعطيل العقل الإشكالي الذي لا يستريح للمعطى وإنما للدليل.

ومن هنا استمر لفترة مهمة القول إن التجذر غاية وضرورة والإصلاح هدف ووسيلة يعجب بها ضعاف النظر الذين لا يعولون على النظر البعيد النافذ والعميق، وهو حكم تؤطره إطلاقية حصرية تجعل النسبية عدوا وترى فى المفهوم مدلولا واحدا ونهائيا، لا غير.

والحاصل أيضا أن الإصلاحيين الذين تلتصق بهم هذه الصفة ظلوا بعيدين عن تنشيط الصفة والمفهوم ليأخذ طابع النظرية المطبقة التي تظهر في المواقف والمحطات، وسرعان ما انسلوا أبعد ما يكون عما بدأوه في السابق وما حققوه من تراكم فأصبح الإصلاح مع الوقت معاديا للتجذر، وهذا دفع الآخر إلى التمادي والغلو دون احتساب الوقت الذي قضي في تحقيق المكتسبات وتحصين الحقوق، فزادت المسافة بين اليقين والشك والإصلاح والتجذر، وزاد الطين بلة إلتباس المفهومين مما أدى إلى سقوطهما على صخرة الواقع الممتنع عن الانصلاح والانقلاب، وهو الأمر الذي يستدعي طرح الموضوع من جديد بكثير من النسبية والواقعية وبكثير من الانفتاح القائم على السؤال بدل التبرير والعلمية بدل الخطابة.

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقا

أعلمني عن
ترتيب التعليقات حسب:   الأحدث | الأقدم | الأكثر تقييما

مقالة مثيرة شكلا و مضمونا

‫wpDiscuz