الرئيسية » عين حرة »

الاستبداد التربوي

يبدو جليا أن النقاش السياسي المحتدم اليوم، بين جل المكونات الحزبية المغربية، بمختلف أطيافها وتلويناتها، قد نحا بعيدا عن المبتغى المنشود من قبل شريحة مهمة من المتتبعين للشأن العام الوطني، التي ترى في القضايا الجوهرية للأمة صلب الموضوع ومقصد الأمور، ومن بينها التعليم وضرورة المواكبة الزمنية للنسق الكوني في هذا المضمار، على الأقل ملامسة بعض المؤشرات الحقيقية التي تكاد تمسك بالخيط الناظم في هذا القطاع المستعصي عن الإصلاح والتجويد.

بالطبع، مرت لحظات كوميدية أسهمت في توضيح مدى العبث والاستهتار بخصوص الرؤية المستقبلية لبعض الفاعلين التربويين الوهميين، نادت بمقاربة إشهارية تنهل من قاموس العوام (الدارجة)، ومن الماركوتينغ الشعبوي، كضرورة ملحة ومدخل جوهري لإصلاح الأعطاب المزمنة في قطاع لم يعد ينتج سوى مخرجات تشكل عبئا صارخا على المجتمع.

لكن يتضح بجلاء أن التدافع السياسي الوطني، وأخص بالذكر المجلس الأعلى للتربية والتكوين، بتجاذباته وأقطابه، ساهم بشكل كبير في إعادة بعض التوازن للمشهد التربوي على مستوى خلخلة العقيدة الراسخة المتمثلة في تجسيد الهوية الثقافية والحضارية والوجودية للأمة، سيرا على منهج السلف المتشبع باللغة العربية كنفس فطري لكل نهضة مستقبلية، وأن لا مستقبل للأوطان بدون اهتمام باللغة الأم كمقاربة خلدونية أيضا، أو أدوار الفاعلين الحقيقيين في هذا الصدد، والجهد المتواصل والحثيث لائتلاف اللغة العربية والنداء الأخير كبصمة بارزة للدور الحقيقي الذي يمارسه ولو كانت القضية أقرب إلى صرخة مدوية وهمسة مثقفين غيورين على مستقبل بلدهم ومصلحة أبنائه وفلذات كبده.

إلا أن المتأمل في النهج العام المتخذ من قبل الفاعلين الفوقيين، لا يتلمس سوى عقلية استبدادية في التعاطي مع مستجدات القطاع، ونظرة سلطوية أحادية في اتخاذ قرارات تنضاف هي الأخرى إلى قائمة الزبد والغثاء الذي لا طائل منه، بل حتى وإن تظاهر المسؤولون بإشراك نساء ورجال التعليم في المخططات المستقبلية للإصلاح، إلا أنها تبقى حبيسة الرفوف والأرشيفات.

إصلاح التعليم يقتضي بالأساس إصلاح وترميم العقليات الاستبدادية، من أعلى الهرم إلى أسفله، ونهج مقاربة تشاركية حقيقية مع الغيورين على صورة الوطن، بدل الاستغاثة بخبراء أجانب مقابل أموال باهضة، أو الاستعانة بالمتملقين الراغبين في كعكة المال العام وأخذ صور تذكارية معهم في الندوات والمحافل الوطنية.

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

السعيد الدريوش

باحث في سلك الدكتوراه بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان.

عدد المقالات المنشورة: 40.

خلاصات السعيد الدريوش

اقرأ لنفس الكاتب:

اترك تعليقا

أعلمني عن
ترتيب التعليقات حسب:   الأحدث | الأقدم | الأكثر تقييما

تحية خالصة للاستاذ و الدكتور سعيد الدريوش من مدينة وزان مدينة النور و العرفان، أحييك لاقتحامك و بكل جرأة هذا المجال الذي أتعب المغاربة بالتفكير و التخطييط.
اريد ان اتفاعل معك بادراج مقاربة الرسالية في هذا الامر
لم يكن التعليم في الاصل أبدا قضية دولة، بل كان البذل و التطوع و المسارعة إلى الخيرات هي البواعث الحقيقية، و هي الفواعل الحقيقية و ان كانت ضمنية، و لا يلبث إصلاح سطحي أن يتلاشى وقعه إن تناول القشر ولم سيتفرغ اللب الموروث ليحيى في المنظومة التعليمية الإعلامية روح الإيمان المتجدد. فمتى نتخلص من هذا التعليم ” الصوري ” الموروث صورة و نسخة للرخاوة العامة و الانحلال و قلة الجدوى من بذل الأستاذ و التلميذ جهده. و متى يصبح تعليمنا رسالة و ليس تكليفا بمهمة و بحثا عن ” السوايع ”

‫wpDiscuz