الرئيسية » عين حرة »

الانتماء التنظيمي والردة الإيديولوجية

الذهاب إلى السوبرماركت لشراء آلة غسيل والمال في جيبك وأنت عازم إلا تعود للبيت إلا وأنت محملا بها تلك نصف المهمة ونصفها الثاني اختيار الماركة والحجم ومقارنة الاثمنة وكلها قرارات أو اختيارات لحظية سريعة قد لا تأخذ منك إلا ربع ساعة أو اقل، النصف الأول لربما أخذ منك زمنا طويلا ما بين بداية التفكير حتى لحظة العزم إلى أن ولجت السوق وتكون قبليا خضعت لكم هائل من المحفزات والإغراءات والإشهار وحتى من الحاح الزوجة واشياء أخرى… هذا المثال اسوقه فقط لتقريب الصورة حين نجيب عن السؤال الاتي: ما الذي يدفع شخصا إلى الانتماء لهذا الحزب وليس لغيره؟ فلو شبهنا هنا الاحزاب بآلات الغسيل، يكون المنتمي لأي حزب قد قرر سلفا الانخراط في مغامرة الالتزام السياسي (كالعازم على شراء الغسالة) ويكون التفضيل والتفاضل بين هذا الحزب وآخر نهاية مرحلة وبداية أخرى وهي في المثال كتفضيل آلة ويربول على ال جي أو فاغور أو غيرهما ثم بعد ذلك الحجم وبعض التفاصيل… هذا المتسوق عنده حالة إدراك تام ووعي وقصد لفعل الشراء وقراراته تصدر عنه بعقلانية وبعيدة عن العبث فهو يريد الة لغسل ثيابه أولا وهو الاصل والفروع هي النوع والحجم والثمن. وحين نعرج للجواب عن سؤال الانتماء للأحزاب فإننا لربما قد نفاجأ بوجود شريحة لا باس بها “تفعل” باللامفكر فيه في شقه الأول كمن دخل السوبرماركت بقصد التنزه “اللي ما شرا يتنزه” أو حتى لشراء مسحوق غسيل فخرج وهو يجر آلة غسيل… لربما وجد تزاحما في الشراء فتزاحم واشترى متاثرا بسيكولوجية القطيع فما فكر وقدر وعزم قبليا على الشراء اصلا فما بلك ان نضيف النوع والحجم والاكسيسوارات. هذا الاندفاع مع المندفعين والاتباع الاعمى من منطلق نفسي أو قانعة باطنية ان الفعل الصادر عن الجموع لا يتطرق إلى عقلانيتها شك، وصوابية قراراتها لا جدال فيها، فأطاع الجمع أو لنقل تنازل طواعية عن حريته في الاختيار لصالح هذا الهوس الجمعي المتفلت الذي خيل اليه من سحر التزاحم انه قمة العقلانية. ويا للعجب اننا قد نصاب بالدهشة حين نجد ان تلة ممن ينشطون داخل حزب ما، اتموا اليه بشكل اشبه بالذي دخل من اجل مسحوق الغسيل فخرج بآلة الغسيل، فلم يكن انتماءهم السياسي صادرا عن اختيار ارادي بتفكير قبلي ووعي حر وكأنهم انجروا قسريا لظروف خاصة أو انجذابا وراء هوس جمعي أو موضة عابرة أو حتى طمعا في منفعة أو ريع مرجو ومنتظر أو قضاءا لحاجة أو لربما تلقى دعوة من صديق منتمي حديثا لنشاط لحزبه فرافقه حبا للاستطلاع فكان اللقاء والكلمة والتعارف وبداية قصة حب من النظرة الاولى اثمرت انتماءا متجدرا. ولذا كان لزاما على الباحث عن دوافع المنتمين ان ياخد في اعتباره انه ليس بالضرورة والقطع كل منتمي للحزب حصل عنده ذلك بعد سابق دراسة ومقارنة وبحث وجهد في التدقيق. ويبرز هذا المعطى بشكل جلي انك تجد اعضاءا لهم سنوات في التنظيم وحين تختبر مدى تمكنهم واستعابهم للايديولوجيا والرؤية والاهداف الكبرى لمشروع حزبه ومنظومة افكاره وطروحاته والتي تمثل الاساسات الفكرية التي يمكن من خلالها التجاوب مع الواقع وتطوراته والقضايا المحيطة والوقائع الفاعلة فيه، فتجد هؤلاء “الاعضاء” بها جاهلون وعنها معرضون فلا متابعة ولا جهد في الاستيعاب يتساوى فيهم المبتدئ مع القديم ثم بعد ذلك وكتقليد حتى الداخل حديثا تنتقل اليه العدوى وهكذا دواليك في دائرة لا نهائية من الفراغ والتصحر الفكري ومع غياب وتغييب برامج التأطير والتكوين على الاقل لاستدراك الخلل أو العيب أو تلطفا في التعبير لهذا الاكراه الموضوعي الخارج عن السيطرة ثم وكإضافة وتكميل حتى للذكرى والتذكير.

ان هذا الركام من الانتماءات بدافع العاطفة والوجدان والعشق المتراكم لطول زمن العضوية على علاته فيه فرص لا يمكن اهتبالها إلا بنقل هذا الحب من الانطباعية الاقرب إلى القبلية إلى العقول، والعقول تصنع بالرياضة والترويض ورياضتها هي الحرية والتكوين والتأطير أما المخرجات المتمظهرة بفوران الدم والتعصب الاعمى دودا عن بيضة الحزب وقادته والاستعراض في الفناء في حب صنم التننظيم ثم السكوت والسكون والسلبية اذا انتهكت حرمات ايديولوجياته المسطرة في ادبياته واوراقه المذهبية، فهذه ولعمري هي الطريق المستقيم نحو الهاوية والافول. إن الانتماءات السياسية على هذه الشاكلة لما تتقاطع العاطفية والانطباعية فيها مع شيء قليل أو كثير من الرغبات المصلحية المادية منها والرمزية (شهرة، مجد، ديع صيت، جاه…) وتغيب عند كثير من اعضائه الاختيارات الواعية لحيتياته وشروطه الأساسية يصير بالنتيجة والختام والمآلات حزب أو تنظيم هجين يكون بيئة خصبة ومواتية لنمو الطفيليات والاعشاب الضارة وخشبة مسرح للعبث السياسي ومشتلا كبيرا لاستزراع اشجار الريع الباسقة واداة فعالة لتصريف الاهواء وتنفيس العقد وقلعة قصف للانتصار للذات الفردية منها والحزبية بمنطق داحس والغبراء وكل ذلك عند هؤلاء واقرانهم مقدم على الانتصار للمشروع والمبدأ والمنطلقات والايديولوجيا التي تتحول إلى علك “chewing gum” يلوى في أفواهم وشعارات جوفاء تطلق في الهواء للقنص الانتخابي لا أقل ولا أكثر.

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقا

أعلمني عن
‫wpDiscuz