الرئيسية » عين حرة »

الجودة في التربية والتعليم: الحل السهل الممتنع

مما لا شك فيه أن إصلاح منظومة التربية والتكوين أضحى من القضايا الرئيسية التي تؤرق بال الفاعلين الغيورين على قطاع التعليم في شتى أنحاء المعمور، إيمانا منهم بأن تكوين الرأسمال البشري يعد الدعامة الأساسية لكل نهضة اقتصادية واجتماعية وتنمية مجتمعية مستدامة. وقد ترجم هذا في تبني العديد من المقاربات الهوجاء وتجريب الكثير من الوصفات التي حالت دون علاج هذا القطاع الذي أضحى يقبع في غياهب المجهول، قصد الوصول به إلى أعلى المستويات وانعكاس ذلك على جودة التكوين والتأهيل للموارد البشرية لتمكينها من الاندماج في محيط عالمي عولمي يتميز بالسرعة والتنافسية في شتى المجالات، ومواكبة التطورات التي يشهدها العصر مع تنامي اقتصاديات المعرفة والتطور الكبير لتكنولوجية المعلومات.

غير أن إصلاح التعليم يحتاج إلى نظرة شمولية تهم كافة الجوانب والمجالات، نظرة تتجاوز المقاربات التجزيئية والحلول الترقيعية وتتعدى البعد الكمي. فالإصلاح يجب أن يكون شموليا مبنيا على النوعية والجودة في مختلف مكونات المنظومة التربوية. لهذا اختارت أغلب الدول الرائدة في مجال التعليم اعتماد نظام الجودة وإسقاط التسيير المقاولاتي في إصلاح منظوماتها التربوية، نظام أبان عن نجاعته وفعاليته في تحقيق النتائج المرجوة. فما هي إذن معايير الجودة في التعليم؟ وما هي آليات تحقيق الجودة في إصلاح التعليم؟

فالجودة في المجال التربوي تشير إلى مجموعة من المعايير والإجراءات تهدف إلى التحسين المستمر في المنتوج التعليمي، كما تشير إلى المواصفات والخصائص المتوقعة في هذا المنتوج وفي العمليات والأنشطة التي تتحقق من خلالها تلك المواصفات مع توفر أدوات وأساليب متكاملة تساعد المؤسسات التعليمية على تحقيق نتائج مرضية.

لقد ظهر المفهوم مع ثمانينات القرن الماضي في الولايات المتحدة الأمريكية في ظل ارتفاع وتيرة التنافس الاقتصادي العالمي وغزو الصناعة اليابانية للأسواق العالمية. فالجودة مفهوم مقاولاتي بالأساس، يرتبط بالإنتاجية والمردودية، وانتقل إلى مجال التعليم على اعتبار أن المؤسسة التعليمية هي مؤسسة لإنتاج الكفاءات والخبرات القادرة على الابتكار والإبداع واللذان بدونهما لا يمكن للمقاولات الصناعية أن تطور إنتاجها وتحسن من منتوجها.

لقد رافق التفكير في إصلاح التعليم عبر إرساء آلية الجودة اقتراح مجموعة من الدعامات التي من شأنها تحسين وضع المنظومة التربوية وتجاوز مختلف العوائق التي جعلت مستوى التعليم في مغربنا متدنيا بل متخلفا. لذا فإن أي إصلاح من وجهة نظري الخاصة يجب أن ينطلق من المداخل التالية:

  • تحسين العرض التربوي في القرى خاصة: فعملا بمبدأ تكافؤ الفرص يجب توسيع العرض التربوي وتجويده في القرى كما في المدن لإتاحة الفرصة للجميع من أجل إتمام الدراسة في أحسن الظروف، وهنا وجب الاهتمام أكثر بالبنية التحتية للمؤسسات التعليمية خاصة السكنيات الوظيفية والطرق وتزويد المؤسسات بالماء والكهرباء ومدها بكل الوسائل والإمكانيات لتؤدي الأدوار المنوطة بها وتقدم خدمات ذات جودة معتبرة.
  • العناية بالموارد البشرية: اعتبارا للدور الطلائعي للمورد البشري في الارتقاء بمستوى المنظومة التربوية فلابد من الاهتمام بالأطر العاملة بالقطاع سواء على المستوى المادي وظروف العمل أو على مستوى التكوين الأساسي والمستمر، اقتداء بمقولة الاستثمار في البشر عوض الحجر وجب إعطاء الأهمية البالغة لأطر التربية والتعليم.
  • الحكامة واللامركزية على مستوى التدبير والتسيير: وذلك عبر إرساء آليات الحكامة الجيدة وترسيخ سياسة اللامركزية واللاتركيز والتي ترمي إلى تقاسم المهام واعتماد سياسة القرب وتكييف التوجيهات والسياسات التربوية مع خصوصيات كل منطقة.
  • تجنب الاكتظاظ بالعمل على تخفيف الفصول الدراسية إلى 20 تلميذ في كل فصل دراسي.
  • اعتماد طرق بيداغوجية حديثة تقوم بالأساس على مبدأ مساعدة المتعلم على التعلم واقتصار دور المدرس على التنظيم والمساعدة بعيدا عن الإلقاء والحشو. فالمتعلم يجب أن يتمتع باستقلالية واسعة تمكنه من اختيار الوحدات الدراسية التي يرغب بها وبناء المنهاج الدراسي الخاص به والمساهمة في عملية التخطيط.
  • تدقيق شروط ولوج المهنة.
  • استقلالية المؤسسات التعليمية وتقييم أدائها: بحيث يجب أن تمنح لها كافة الصلاحيات الإدارية والمالية، ويعهد إليها تكييف المناهج التعليمية مع حاجيات متعلميها وخصوصيات منطقتهم. في نفس الوقت إخضاعها لنظام تقييم أدائها بشكل دوري ومستمر من خلال تعبئة استمارات عبر شبكة الإنترنت من طرف التلاميذ وأولياء أمورهم للتعبير عن مدى رضاهم عن جودة الخدمات التي يستفيدون منها في مؤسستهم.

فالجودة إذن فلسفة ومقاربة في تدبير وقيادة وحدات التربية وأنظمتها، تنبني على مجموعة من القيم والمبادئ التي توظف المقاربة النسقية والأدوات الإحصائية بهدف التحسين المستمر لقدرة منظومة معينة على الاستجابة لحاجات المستفيدين منها الآنية والمستقبلية؛ ولعل التجارب الدولية في مجال التعليم كفنلندا وبريطانيا أثبتت بالملموس نجاح هذه المقاربة التي يجب الاستفادة منها قبل التفكير في أي مشروع لإصلاح التعليم.

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقا

أعلمني عن
‫wpDiscuz