الرئيسية » عين حرة »

الحق بين المضمون والمصدر

كانت قد وقعت بين يدي نسخة من عدد قديم لجريدة أسبوعية مغربية، فقرأت فيها حوارا كانت قد أجرته حينها هذه الجريدة مع برلماني مغربي ينتمي لجهة تازة-الحسيمة-تاونات مسه بشكل من الأشكال لهب الفتنة التي كانت قد أثيرت حول انتخابات تجديد ثلث مجلس المستشارين في إطار ما يسمى بالحرب على استعمال المال في الاستحقاقات الانتخابية. وهذا موضوع آخر ثلاثي الأبعاد طويل عريض عميق، يطرح سيلا من الأسئلة من قبيل: هل كانت هذه أول مرة يستعمل المال الحرام في الانتخابات؟ وهل المستشارون المتهمون هم وحدهم من استعمل هذا المال؟… وأخرى غيرها كثيرة أسالت لترات من المداد في الطرح، ولم تسل قطرة واحدة في الإجابة لسبب بسيط هو أننا نخاطب في هذه البلاد فراغا أو في أحسن الأحوال، موجودات حجرية صماء بكماء تماما كما كان هبل واللات والعزى، فلا مخاطَب، ولا محاوَر، ولا غيور من أولئك الشركاء في النعمة والسراء فقط في تركة هذه البقاع.

المهم أنا لا أروم التوسع هنا، وإنما أريد التعليق على بعض ما ورد في أجوبة ذلك البرلماني. ففي جواب عن سؤال حول سبب انتقاله من هيئة سياسية إلى أخرى المفترض أن يكون بينهما بعد المشرقين في التوجه والخلفية والبرنامج(وهذا طبعا إذا افترضنا أن هيئاتنا تؤمن وتقوم على مثل هذه المكونات والأسس)، أجاب السيد البرلماني بمبررات لا تخرج عن المألوف، كعدم مصداقية الهيئة المغادَرة، ومصلحية وانتهازية قياداتها، وعدم ديمقراطية أجهزتها ومؤسساتها،… إلى غير ذلك من هذا الكلام المعروف في مثل هذه المواقف. وبغض النظر عن صحة هذا الادعاء أو بطلانه، وعن تفرد هذه الهيئة بهذه “الميزات” أم مشاركتها في ذلك من طرف كل أخواتها، وعن صدق دعواه أنه لم يكتشف كل تلك العفونة إلا من الداخل(في حين أننا تقهرنا النتونة رغم بعدنا مسيرة أيام ركوبا من كل تلك الهيئات)، قلت، بغض النظر عن هذا كله، فالذي أثارني هما مبرران، وإن بنسب غير متساوية.

المبرر الأول هو قوله أن مكونات من تلك الهيئة تدعو، من موقعها، إلى الأمازيغية. والأمر إن ثبت، يكون من جهة خروجا عن القانون الذي يمنع تأسيس أحزاب على هكذا أسس، ومن جهة أخرى تأصيلا لأحزاب قومية جهوية تتخذ اللهجة أو الثقافة أو العرق خلفية لها، وإذا فُتح هذا الباب فلا نستغرب إذا ظهر حزب يدعو للانتصار للثقافة والأصالة والعراقة والعادات والتقاليد والتاريخ… التطواني في مقابل عكس كل ما ذكر الطنجي، والعكس بالعكس.

أما المبرر الثاني، وهو الذي يهمني أكثر، فهو قوله أن مكونات أخرى من تلك الهيئة تدعو، من موقعها، إلى الإلحاد!.. والأمر هذا يكتسي وضعية استثنائية، ويطرح أسئلة جوهرية من مثل: هل فعلا توجد أحزاب مغربية لازالت تدعو إلى الإلحاد؟ وإذا كان الجواب إيجابا، فما هي هذه الأحزاب؟ وما هو موقف الدولة تجاهها؟ ولماذا لا تعلن عن نشاطها جهارا (اللي كيشطح ما كيخبع وجاه)؟ وغير هذا من الأسئلة كثير…

لكن معالجة الموقف من زاوية أخرى مقابلة ربما يكون أفيد. فنعتبر أن هذا القول عار عن الصحة، فهو ادعاء باطل وتبرير واه، لتصرف عادي عند ساستنا الذين ينامون ببذلة النوم ويذهبون صباحا إلى “أعمالهم” ببذلة العمل.. لكن الإشكال أن المشكلة تأبى أن تحل بهذه السلاسة المفرطة، فتتبادر أيضا تساؤلات ليست أقل تعقيدا وإحراجا من سابقاتها: لماذا لم يتم تكذيب ادعاء المدعي من طرف الجهة المتهمَة على صفحات الجريدة التي نشرت المقابلة العجيبة حتى يتسنى لمن قرأ الاتهام أن يقرأ دحضه؟ هل ذلك إقرار، أم ترفع عن إجابة “السفيه”، أم هما معا؟ والسؤال الأكثر تمردا هو: ماذا كان سيكون موقف الحزب المعني، والأحزاب الأخرى، والصحافة “المستقلة ” والوسائل السمعية البصرية وراديو مونتي كارلو وهيئة الإذاعة الهندية واتحاد إذاعات مدغشقر وقناة هونو لولو الفضائية، وراديو “طروطوار” والناس أجمعين… ماذا كان سيكون موقفهم لو أن تصريحا غير صريح يمكن أن يتضمن ذلك التأويل، ولو زورا، صدر عن سياسي إسلامي؟؟؟ الجواب في الحقيقة بسيط، ذلك أن تلك الأجهزة السابقة الذكر، وغيرها كثير، ستهب لأداء واجبها وتنوير الرأي العام، وأخذ ذلك التأويل(وليس التصريح) كأداة للجريمة التكفيرية الاستئصالية العدوة للحرية والديمقراطية والفكر والإنسان والجماد والأزون… فيُتهم ببيع صكوك الغفران، والقضاء بين الناس في مآلهم الأخروي، ومنازعة الله، جل وعلا، في حكمه بين عباده، والتأله في الدنيا وقس على ذلك من التهم القديمة الجديدة..

عجبا والله، أصبح الحق يكتسب صبغته من مصدره رغم وحدة جوهره! هزلت! وتقولون الحق في الاختلاف! إن ضيق صدوركم لا يتسع حتى لإتمام جملة، إذا كنتم غير راضين عن قائلها، وكأنكم تخشون سحره، أو تنويمه المغناطيسي.

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقا

أعلمني عن
‫wpDiscuz