الرئيسية » عين حرة »

الخدم

دأبت الطبقة المهيمنة منذ البوادر الأولى لظهور مفهوم الإمارة في المغرب إلى استقدام مجموعة من المعوزين والعبيد وتمكينهم من امتيازات لكسب ولاءاتهم، وقد راكمت هذه المجموعات على مر العصور ثروات ضخمة وغيرت أسماءها واشترت شجيرات نسب وصل بعضها إلى سيدنا إبراهيم، بل لم تجد هذه العائلات حرجا في إيصال شجرتها إلى فرعون وهامان وسام بن نوح، ولأنا شعب طيب و”نية” والأكثر إحساسا بالنقص بين الشعوب، صدقنا ما روجه المفترون وما قرأناه في بعض المجلدات التي مُولت لهذا الغرض، وكان الجيل ما قبل قبل الأخير من هذه الطبقات ذاك الذي استقدمه المولى اسماعيل من بلاد السودان وجعلهم على رؤوس الجند والشرطة.

وبعد قرون صارت هذه السلالات تعرف بكونها الأكثر نقاء في البلد خاصة في المدن التاريخية ذات التأثير العلمي والديني والسياسي، واستخدمت أموالها للسيطرة على مختلف المناصب السياسية والإدارية، وكانوا عيونا لا تنام لخدمة النظام والحصول على أكبر قدر من القوة والنفوذ، وفي كل مرة كان يضعف نظام الحكم ويصير فريسة سهلة للغزاة كان أكثر هؤلاء المرتزقة يخونون ولاة أمرهم ويصيرون خدما للمستعمر حفاظا على ما حققوه من مكتسبات، والتاريخ الحديث يشهد بأن هؤلاء عذبوا وشنقوا المقاومين في أكثر من جهة بالمملكة وصاروا قيادا يفسدون في الأرض ولا يصلحون، ورغم خروج المعمرين ظلوا في مكانتهم ومناصبهم وزادت ثرواتهم بعد استيلائهم على تلك الأراضي التي تركها المعمرون عنوة وبعقود شراء غير قانونية وباتفاق تام مع الطبقة المهيمنة االجديدة بعد 1960.

بالموازاة مع ذلك دخلت طبقتان جديدتان على خط المنافسة:

  • طبقة من أبناء الفلاحين الفقراء راكمت ثروات مالية كبيرة نتيجة تجارة المخدرات والسلع المهربة في أقاليم الشمال وبيضتها في مجال التجارة والعقار؛
  • وطبقة أخرى استطاعت بفضل امتهانها للسياسة والعمل المخابراتي من السيطرة على أراضي الدولة المسترجعة في الغرب ومنطقة سوس ماسة درعة وكذلك على رخص النقل والمقالع والصيد البحري واستغلال الغابات وكل ما يمكن استغلاله في الأرض والبحر والجو…

كل هذه الأسباب جعلت الطبقة الأولى تدرك بأن الثروة المالية ليست هي التي يمكن أن تحفظ لها تميزها وهو ما دفعها إلى تعليم أبنائها في أفضل المدارس الأوروبية والأمريكية، لتسيطر بذلك بفضل تلك الشهادات المحصل عليها على أرفع المناصب في الوزارات والسفارات والعمالات والشركات الكبرى بل وحتى بعض الوظائف ذات المكانة الرفيعة في عقلية المجتمع كالتوثيق والطب الخاص والهندسة و… و…

ولأن المال والنفوذ كالرضيع احتاج دوما إلى الرعاية والاهتمام، سيطرت هذه الطبقات اللقيطة جميعها على البرلمان لضمان تشريعات وقوانين تحميها وتحفظ مصالحها، وسيطرت كذلك على القضاء لتضمن لنفسها الإفلات من المحاسبة والعقاب في كل مرة تطفو جرائمها على السطح.

ورغم كل خطط السيطرة والهيمنة على التعليم والصحة والاقتصاد كانت هناك طبقة جديدة في طور التشكل منذ السبعينات اشتغلت في الوظائف العمومية بعد خروج الموظفين الفرنسيين والإسبان، وقد كانت رغم دخولها المتوسطة ترمز لأبناء البلد الأوفياء لأوساطهم وعائلاتهم ومسقط رؤوسهم، وكان بإمكانها أن تكبر وتتمدد بل وتسيطر على مجموعة من المرافق ومراكز القرار بفضل قدرتهم على الظهور كنماذج للمغاربة الناجحين الطامحين لتغيير واقعم لولا أن الدولة حاولت بكل آلياتها وخاصة بدراعيها الإعلامي والمخابراتي تشويه صورتها في أذهان الشعب الجائع وزرعت في وسط الطبقة نفسها مجموعة من الانتهازيين واللصوص جعلتهم رمزا منفرا لإفقاد الثقة في كل أفرادها.

كتبت هذه الأسطر لأزيل ولو بعض العجب الذي ظهر على وجوه أغلب المغاربة الذين سمعوا لأول مرة بوجود أراض خصصت لخدام الدولة ولأظهر لهم بأن هؤلاء الخدم لا يشرفكم الانتساب إليهم لأن فيهم سجاني تزمامارت وغيره من سجون القتل والتعذيب، وبعض ضباط المخابرات الذين نفذوا عمليات نجسة ضد أبناء الشعب من المناضلين، وبعض القضاة الذين حكموا بالإعدامات في قضايا خيالية على بعض اليساريين في السبعينات والثمانينيات والعائدين من مخيمات العار بتندوف باعتبارهم من المؤلفة قلوبهم والذين سرعان ما جمعوا ثروات كبيرة استثمروها في جزر لن يسمعوا فيها لا صحراء ولا عبد العزيز ولا إلياس وعبد الإله…

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقا

أعلمني عن
‫wpDiscuz