الرئيسية » عين حرة »

الربيع العربي بين الورود والأشواك

عندما اندلعت الثورة في تونس، لم يكن أحد يؤمن بأن تلك الحادثة التي وقعت بإمكانها أن تطلق شرارة قوية، ولا أحد كان يصدق بأن تلك الشرارة بإمكانها أن تقلب العالم العربي رأسا على على عقب، ليس على مستوى الرئاسات والزعامات فحسب، بل حتى على مستوى الفكر والتفكير والتنظير السياسي.

قليلون هم أولئك الذين كانوا يصدقون بأن تلك هي بداية النهاية للنظام الديكتاتوري في تونس، وكثيرون هم أولئك الذين كانوا يرون بأن ما سمي بالثورة ما هي إلا سحابة عابرة، سرعان ما سيتكلف البوليس السري والأمن الرئاسي بإتلافها ومحو آثارها من الذاكرة. وبطريقة غير مألوفة في الساحة العربية اندلعت الثورة كاندلاع النار في الهشيم، حتى فقد البوليس والأمن الرئاسي السيطرة تماما على الوضع في تونس. وفي محاولة فاشلة من زين العابدين للقيام بما فشل البوليس في القيام به، أطل بن علي برأسه في أحد المنابر الإعلامية، وقد بدا مرتبكا ومهزوز نفسيا، وهو يقول للشعب التونسي: (فهمتكم… فهمتكم… لا رئاسة مدى الحياة… لا رئاسة مدى الحياة… لا رئاسة مدى الحياة…). كلمات بن على كانت وقودا للثورة والشباب التونسي، فزادت الثورة توهجا واشتعالا… إلى أن استفاق الشعب التونسي على خبر هروب بن على… ومن شدة الفرح خرج أحد الشباب التونسي إلى الشارع وهو يصيح: “بن على هرب… بن على هرب…”

خبر هروب بن علي سرى كالسم في عروق الأنظمة العربية التي ارتجفت واقشعرت من هول ما سمعت من أخبار… كيف لنظام بوليسي مخزني أن يسقط على يد بائع الورد محمد البوعزيزي؟!… ذهل الغرب والعرب ولم يصدقوا الخبر… الرئيس الديكتاتور قد هرب… تناقلت وسائل الإعلام الخبر بسرعة فائقة، ودون التونسيون الخبر على الجدران بدماء البوعزيزي ومن تبعه من الضحايا… معلنين عن نهاية الديكتاتور موسوليني العرب، وبدء مرحلة جديدة من تاريخ تونس الخضراء.

النار لم تنطفئ، وبعد رحيل بن علي كان عنوانا لمرحلة جديدة من الرحيل والترحال… رحلت رياح التغيير شرقا نحو ليبيا واندلعت النار في الهشيم، وكعادته حاول القدافي أن يكون تلك الشخصية القوية التي يمكنها التغلب على الصعاب والفوز في كل المواجهات، فتسابق هو وابنه على تعيير الشعب الليبي بكلمات حقيرة، واصفا إياه بالجرذان والخونة… لا بل واستعمل أكثر أنواع الأسلحة فتكا ودمارا للتنكيل بشعبه وإذلاله… إنه هتلر العرب، بل هو أكثر إجراما من هتلر؛ إذ أن هتلر خاض الحروب ضد أعدائه من أوطان أخرى، أما القدافي فقد خاض حربا ضروسا ضد شعبه لمجرد أنه قال يكفي أيها القدافي… لهذا هو في نظري اسوأ من هتلر…

هزم القدافي كما هزم بن علي، وبالتزامن مع ذلك كان صوت الرصاص يدوي في سماء القاهرة… والصيحات تتعالى في ميدان التحرير والكل يصيح: ارحل يا مبارك…

كسابقيه من الراحلين أو المرحلين، حاول مبارك أن يتغلب على الوضع بحنكته السياسية تارة، وبقوته الأمنية تارة أخرى… لكنه فشل في كليهما، ولصعوبة الموقف على مبارك تولى خادمه “سليمان” بإعلان مبارك التخلي عن السلطة… انتهى مبارك وتكسرت أحلام جمال مبارك على صخرة الإرادة الشعبية للشعب المصري… رحل مبارك ووقع التغيير في مصر، لكن لا أحد على ما أعتقد يستطيع أن يتنبأ بما يمكن أن يحدث في مصر وفي أي اتجاه تسير الأمور… لكن الشيء الأكيد هو أن التغيير وقع والديكتاتور رحل…

في نفس الاتجاه سارت رياح التغيير شرقا نحو الشمال قليلا في اتجاه سوريا، قلب العروبة النابض كما سماها جمال عبد الناصر… للأسف لم تعد كذلك ولكنها أصبحت صوت الرصاص النابض… الموت في كل مكان، وسيرا على نهج الشعب التونسي والليبي والمصري، يحاول الشعب السوري أن يصنع التاريخ لنفسه ويسجل في ذكريات الذاكرة أنه يوما ما أسقط نظاما مستبدا ديكتاتوريا حكم سوريا بقوة الحديد والنار… وحتى كتابة هذه السطور، لازال صوت الرصاص يدوي في سماء دمشق وحلب وأدلب وحمص… النظام يحاول أن يثبت أنه يمثل الشعب ويواجه الإرهاب والمتربصين بالدولة من الداخل والخارج… والشعب السوري يصيح ارحل أيها الأسد… وبين الحين والآخر موكب جنازة معلومة ومقابر جماعية مجهولة… اختلط الحابل بالنابل ولا أحد يستطيع أن يتنبأ بما ستؤول إليه الأحداث في سوريا… والغرب يتربص للانقضاض على سوريا لتوقيع معاهدة حماية جديدة ليست كسابقتها من معاهدات الحماية، لكنها ربما أسوأ وأسوأ حتى من النظام الديكتاتوري السوري… وما نتمناه نحن هو أن يحدث ما فيه الخير والصلاح للشعب السوري.

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقا

أعلمني عن
‫wpDiscuz