الرئيسية » عين حرة »

الزلة الإدارية والدستورية والحقوقية من جراء مسألة “الإعفاء بناء على الانتماء السياسي”

المتتبع والدارس لتطور القانون الإداري، سيجد أنه في معظم الأنظمة القانونية كان مبدأ عدم مسؤولية الدولة وأجهزتها ولزمن طويل كان هو الراجح، وكان يبدو أمرا غير عادي أن تثار مسؤولية الحاكم بذريعة أنه ليس بوسع هذا الأخير فعل سوء، إلى أن جاء حكم “بلا نكو” التاريخي، حيث شكل الخطوة الحقيقية الأولى لإبراز الخطوط العريضة للمسؤولية الإدارية.

في هذا السياق، تعتبر نظرية مسؤولية الدولة من النظريات التي ابتدعها القضاء، والتي جاءت كنتيجة حتمية لازدياد تدخل الدولة وتوسع أعمالها وأنشطتها التي غالبا ما تؤدي إلى حدوث أخطاء تسفر عن إصابات الأشخاص من جراء هذه الأعمال والأنشطة. وبالتالي أصبحت الدولة بموجب القانون (الفصل 79 من قانون الالتزامات والعقود..) “مسؤولة عن الأضرار الناتجة عن تسيير إدارتها وعن الأخطاء المصلحية لمستخدميها”، بمعنى أن الأصل الدولة ومؤسساتها ملزمة ببذل كل العناية لدرء المخاطر التي قد تقع للمواطن. وعامة يمكن القول أن مسؤولية الدولة ليست عامة ولا مطلقة، وإنما هي مسؤولية من نوع خاص تتوقف على الخطأ والثابت.

والباعث من مناقشة هذا الأمر، ما جاءت به الحملة الأخيرة الجديدة تحت عنوان: “إشعار بإنهاء مهام” استهدفت أطر جماعة العدل والاحسان في العديد من القطاعات في خرق سافر للقوانين وضرب لحزمة حقوق ومكتسبات أقرها دستور فاتح يوليوز زعما وادعاء.

فإذا كانت المبادئ والقيم الدستورية تفرض وتنص وتدعو إلى تقديم المصلحة العليا للبلد، وإذا كانت الإرادة الحقيقية للإصلاح تتطلب أن يكون المناخ العام معافى من أوبئة الاستبداد والنزوع للتحكم في الرقاب؛ مناخ عام سليم يوفر شروط التنافس الشريف وفي شتى المجالات يحفز على المشاركة والانخراط في أوراش التنمية اجتثاثا لعوامل التهميش والتفقير والتجهيل، كل في مجال تخصصه؛ مناخ سليم وعلى قاعدة الحقوق والواجبات يبني إجماعا مجتمعيا حقيقيا لا زائفا أو وهميا يتنادى فيه الجميع أن هَـلـُمُّـوا للبناء والبذل والتضحية،… فإن ما قامت به بعض أجهزة الدولة – وزارة التربية الوطنية – ضرب بكل هذه القيم والمبادئ عرض الحائط.

فما قامت به الوزارة يعتبر زلة وسقطة وأي سقطة… سقطة دستورية وقانونية وحقوقية.

من الناحية الدستورية والحقوقية:

  • أولا: خرق للتصدير الدستوري الجديد الذي “يعد جزءا لا يتجزأ من الدستور”: فأول ما نص عليه التصدير هو خيار بناء دولة الحق والقانون الذي لا رجعة فيه، لكن مع زلة الإعفاءات تم الضرب في أهم مقومات دولة القانون، عنينا هنا مبدأ المشروعية أو الخضوع لحكم القانون، فهذه الإعفاءات لا سند لها قانونيا وبالتالي هي غير مشروعة دستوريا… وكذلك تم الضرب في مبدأ “الاعتراف بالحقوق والحريات الفردية”، فبهذه الإعفاءات تم نزع الحقوق بطريقة تسلطية وليس الاعتراف بها.
  • ثانيا: تم خرق مبدأ دستوري جديد ومهم “الحكامة الجيدة”، فأي حكامة هذه… إعفاء إطار بدون سابق إنذار ولا استدعاء ولا تنبيه، والأكثر من ذلك لا بديل لمنصبه.
  • ثالثا: خرق مبدأ دستوري ثالث… “تكافؤ الفرص”… فإذا كانت تجربة هؤلاء الأطر الطويلة تشهد لهم بالكفاءة، فبمن سيتم تعويضهم وعلى أي أساس سيتم تعويضهم.
  • رابعا: خرق المطلب الدستوري الذي يدعو إلى “إرساء دعائم مجتمع متضامن يتمتع فيه الجميع بالأمن والكرامة والمساواة”… ألا تدعو مثل هذه القرارات إلى إثارة الخوف والفزع في عموم المواطنين… وأي مساواة ستطرح مقابل نزع الحقوق ظلما وعدوانا؟
  • خامسا: خرق مبدأ “التلازم بين حقوق وواجبات المواطنة”… ما هي الواجبات التي أخل بها هؤلاء الأطر المغربية وعلى أساسها تم الإعفاء؟
  • سادسا: بموجب الفصل السادس (6) فإن “القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة، والجميع ذاتيين أو اعتباريين، بما فيهم السلطات العمومية، متساوون أمامه، وملزمون بالامتثال له”… وبالتالي فإن أجهزة الدولة التي قامت بهذا الفعل هي ملزمة بالتبرير والتعليل القانوني لهذه المسالة…
  • سابعا: بموجب الفصل 19 من الدستور المواطنون المغاربة يتمتعون على قدم المساواة، بالحقوق والحريات المدنية والسياسية… وبموجب الفصل 25 فإن “حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها”… فكيف يتم إعفاء هؤلاء الأطر بناءً على انتمائهم السياسي الحر؟
  • ثامنا: بموجب الفصل 22 من الدستور “لا يجب المس بالسلامة المعنوية لأي شخص”، هذه الإعفاءات التسلطية مست وأهانت هؤلاء الأطر المغربية الحرة الذين خدموا بلدهم لمدة طويلة.
  • تاسعا: بموجب الفصل 27 من الدستور فإنه “للمواطنين والمواطنات الحق في الحصول على المعلومة، الموجودة في حوزة الإدارة”… فكيف يعقل إعفاء إطار بدون إعطائه أدنى معلومة عن هذه المسألة…؟
  • عاشرا: بموجب الفصل 31 من الدستور فإن الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية، تعمل على تعبئة كل الوسائل المتاحة… الشغل… ولوج الوظائف حسب الاستحقاق…” هذه الإعفاءات تضرب أيضا في هذا الفصل الواضح.
  • وأختم بمبدأ التعليل وتبرير القرارات الدستوري… هذه القرارات التعسفية تفتقر إلى أي تعليل أو تفسير.

من الناحية الإدارية والقانونية:

  • أن ما وقع يعدّ خطوات غير قانونية مشوبة بالشطط الإداري والتعسف المكشوف، ببساطة لغياب شرط “التعليل” و”تبرير القرارات”، فجل القرارات من هذا الحجم أقل شيء يكون فيها بخلاف النظر عن مشروعية المحتوى أن تكون معللة ومفسرة للقرار المتخذ.
  • أيضا ومن منطق القانون السليم، وقبل أي “إعفاء”، أن يتم إرسال “تنبيه أولي” أو “إنذار” أو حتى “استدعاء”.
  • وبخصوص مبدأ استمرارية المرفق العام… كيف يعقل إعفاء مدراء مؤسسات تعليمية وحراسي عامي من نفس المؤسسة، أين هي مصلحة التلميذ (التي يجب أن تكون فوق كل اعتبار)، وكيف ستمر المؤسسة وسط هذا الخلط… أين هو البديل؟ قرارات جائرة وطائشة بدون تخطيط… إنه العبث الإداري.
  • مبدأ “الأجر مقابل العمل”… عندما يعفى إطار، يبقى بدون مهام ولا مكتب له في المصلحة، بمعنى أنه لن يشتغل، فأين هو الجواب على هذا الأمر.. “الأجر مقابل العمل”؟

حسبنا الله ونعم الوكيل.

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقا

أعلمني عن
‫wpDiscuz