الرئيسية » عين حرة »

السينما والبيداغوجيا

كثيرا ما أسمع عن إقامة مهرجان للسينما التربوية تحتضنه بعض أكاديميات التربية والتكوين أو بعض النيابات التابعة لها… ويقام المهرجان ويحضر المشاهدون وتعرض الأفلام والأشرطة “التربوية”، ويتفرق الجمع مقتنعين أنهم شاهدوا أفلاما تربوية…

وأنا لحد الآن غير مقتنع تماما بوجود سينما تربوية، لا في المغرب ولا في أي بلد آخر مهما بلغت ريادته في هذا الفن تاريخا أو إنتاجا. وأشد ما أتعجب له هو الصمت المريب لنقاد السينما عن ترك مثل هذه المفاهيم تترسخ في أذهان الجمهور، دون لفت انتباهه إلى الشروط والعناصر والمقومات البنيوية التي تجعل من الشريط السنمائي شريطا تربويا فعلا.. وهذه المشكلة هي من أكبر الدلائل على أن الثقافة السينمائية في المغرب مشروع لم يكتمل إنجازه، أو لربما لم يتأسس بعد…

كل المهتمين بالسينما التربوية يحتكمون إلى معيار التواجد الطفولي ضمن الممثلين المشاركين في لعب أدوار البطولة في هذا الشريط أو داك لتصنيفه ضمن المجال التربوي، وهذا معيار خاطئ جدا لأنه لا يكفي أن يتواجد الأطفال ضمن فريق مجموعة الممثلين للحكم على بيداغوجية عمل سينمائي ما مهما بلغت كثافة هذا التواجد، وأيا كانت الفكرة أو الموضوعة المهيمنة على فضاء الشريط.

العمل السينمائي التربوي إذا رام أن يكون كذلك يقتضي أن يكون مخترقا بيداغوجيا على مستويات عدة.

أولا: اشتراط الثقافة البيداغوجية الواسعة لمن سيتولى كتابة قصة أو سيناريو الشريط السينمائي التربوي، بمعنى أن يكون الهدف التربوي من قصة الشريط هدفا معلنا عنه منذ البداية، وهذا لن يتوفر إلا لكاتب ملم بعلوم التربية. ولحد اللحظة فإن هذا الشرط غائب تماما عن جل الأشرطة التي عرضت في مواسم السينما التربوية، سواء في المغرب أو خارجه.

ثانيا: ما قلناه عن كاتب القصة أو السيناريو يجب أن يتوفر في المخرج الذي يتولى إخراج الأشرطة التربوية، والملاحظ إلى يومنا هذا أن جل المخرجين، وخاصة المغاربة، يعانون من ضمور ثقافي كبير لا يسعفهم على بلورة رؤاهم بالشكل الفلسفي الذي يجعل من أعمالهم السينمائية أعمالا ذات قيمة ثقافية أو فنية، تساهم في زعزعة وخلخلة المسلمات الراكدة في باطن المتلقي، والانتقال به إلى مستوى آخر من الوعي بالظاهرة المعالجة سينمائيا. أما الخواء الفكري البيداغوجي لدى مخرجينا فهذا أمر محسوم ومفروغ منه، ولا يعادله إلا الخواء الفكري البيداغوجي لدى رجال الإعلام المغاربة أيضا.

ثالثا: يشترط في الفيلم التربوي خضوعه لمعايير فنية وتقنية وفلسفية تربوية صارمة، تتناسب وأعمار الجمهور المتلقي، وفي تناغم تام مع أهداف الفلسفة التربوية المعتمدة في المجتمع الحاضن لهذا الجمهور، وهذا يقتضي أن يتم إنتاج الفيلم التربوي تحت إشراف وزارة التربية الوطنية، وتحت مراقبة الخبراء التربويين إذا كان عندنا خبراء أصلا.

والكلام كثير في هذا الموضوع السائب الذي يتطلب جلوس السيد محمد الوفا والسيد مصطفى الخلفي لوضع حد لتسيبه في أقرب الآجال…

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقا

أعلمني عن
‫wpDiscuz