الرئيسية » عين حرة »

العدير والعصير

الكل يتذكر بحنين كيف كانت حديقة العدير (للا أمينة) جميلة ووديعة كقطعة من الجنة سقطت بيمن وبركات على مدينة وزان، فكانت متنفسا يلجأ إليه الناس للترويح عن النفس بداية كل مساء، ويلجأ إليه المراهقون حينما ينتصف المساء، ويلجأ إليه المتسامرون مع نهاية كل مساء، في تلك الليالي الصيفية الوزانية المنعشة … التي تعوض ساكن المدينة عن نهارها الشديد القيظ… كانت حديقة العدير المكان المفضل للعصير وتمضية الوقت.

حديقة لالة أمينة بوزان قديما

الكل الآن يأسف لما آلت إليه تلك الحديقة، فقدت جمالها فصارت كوجه عجوز نخرت فيه سنوات السياسة العجفاء أخاديد عميقة، اقتلعت بعض أشجارها فأصبحت شبيهة برأس أصلع انتزع الزمن شعراته القليلة، أحيطت بسياج عال وكأنه على المناطق الخضراء أن تبقى بعيدا عن سكان المدينة، وليست فضاءات مفتوحة للجميع، لمن أراد التجوال أو الجلوس أو الاستراحة … أولا يستحق سكان وزان أن تكون لهم حديقة مشرعة أبوابها يقصدونها أينما ضاقت بهم حيطان المنازل والمقاهي ؟؟ لا جواب.

كانت هي الحديقة الوحيدة التي يمكن للعائلات والأصحاب الذهاب إليها والجلوس جماعات أو أفرادا، كانت متنفسا جميلا يروح به الناس بداية كل مساء قبل الجولة اليومية في شارع “شوفوني”، لكن أياد آثمة امتدت إليها لتنزع منها رداء الجمال وتعوضه برداء الخراب والدمار، عبثت بأشجارها وكراسيها وأعشابها واستبدلتها بحفر وأشغال غير مكتملة، لا أدري ماذا يقصد المسؤولون عن شأن مدينة وزان بتلك العبارة الرنانة “مشروع تأهيل”، أعتقد أنه تأهيل نحو الخراب والدمار، فلا حديقة العدير جميلة كما كانت، ولا هي “مؤهلة” كما بشر بذلك أصحاب مشاريع الوهم، وحتى الأقواس في مداخلها الستة غير مكتملة البناء والزخرفة.. فقط أطلال على أطلال.

ومن غرائب الدنيا، أن هؤلاء المسؤولين والمنتخبين، ومنهم من لم يكمل تعليمه الابتدائي، يريدون تأهيل حديقة كانت ذات هندسة فرنسية خالصة، كانت في زمانها القلب النابض لمدينة وزان الأوربية، “باريس الصغيرة” كما كان يقال، أشجار القيقب (Erable) وصنوبر التنوب (Sapin) التي اقتلعت من جذورها لتفسح المجال أمام أعشاب وشجيرات لا جمالية لها ولا زهر؟؟؟ ألا يستحق هؤلاء محاكمة عادلة بتهمة تدمير منطقة خضراء؟؟ لماذا لم يتحرك المجتمع المدني للدفاع عن هذه الحديقة الرمز للمدينة.

هذا المشروع الغريب لتوسيع الأرصفة المحيطة بالحديقة سيقضي على واحد من مكامن سحر مدينة وزان، إنه الساندويتش الأسطوري “خاي أحمد”، فكل مساء تجد العشرات من الشباب الوزاني الذي ينتظر دوره للحصول على ألذ وأفضل وأرخص ساندويتش في العالم، يبتدئ سعره بدرهم فما فوق، فحكماء الهندسة بوزان لا يرون ضرورة في بقاء دكان “خاي أحمد” في مكانه، لأنه سيشوه جمالية الحديقة، وكأنها حاليا واحدة من حدائق بابل المعلقة التي لا ينتقد حلتها إلا حاسد..

من يرى منكم الآن الحديقة والأشغال متوقفة بها، سيحس باليتم والبؤس الذي طال مدينة وزان لعقود مضت، سيحس بالغبن الذي كفن المدينة منذ الاستقلال ومازال هناك من البشر من يسعى لإطالة أمده، سيعرف أن وزان إذا لم يحفظها أبناؤها، لن يحفظها المتسلطون عليها..

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقا

أعلمني عن
‫wpDiscuz