الرئيسية » عين حرة »

الفساد السياسي المؤسساتي

يأتي الفساد بأشكال وصور مختلفة من الصعب تحديدها وأحيانا يصبح من الصعب التعرف عليها، فهو يختلف من ثقافة لأخرى، لكنه يظل هو فعل ضد الإصلاح وضد الأخلاق وضد القيم الإنسانية. هو فساد توزعت مساحته على رقعة واسعة، إذ تحتضن عدة أصناف منها الإداري والاقتصادي، والاجتماعي وأخيرا السياسي.

اليوم أصبح الفساد كلمة تتمتع بليونة فائقة، فهي سهلة الاستيعاب والاستقراء، ليست عصية الفهم، ولكن مع ذلك تصبح عصية الهضم والتحليل في كثير من الأحيان. اليوم أصبح الواحد منا يشتم رائحة الفساد فقط من آراء بعض المسؤولين والتي لا تعبر عن مواقف صريحة وواضحة، بل عن مصالحهم المتسارعة والمتقلبة، فهي تقول اليوم ما تنقضه غدا وتقول ما تتخلى عنه بعد غد، وهي لا تطرح آراءها بشكل نظرية متكاملة بل بشكل مواقف آنية. من بين هؤلاء نستحضر الخرجات الأخيرة لحميد شباط، الأمين العام لحزب الاستقلال بعد نتائج انتخابات 4 من شتنبر، والذي وجه تهديداته المباشرة، هذه المرة، بالتصعيد ضد الدولة وكشف المستور حين أعلن بأنه ”سيفجر كل شيء وسيدلي بتصريحات يكشف فيها عدة حقائق من شأنها أن تزعزع الدولة نفسها”. وقبله السيد العربي المحرشي عن الأصالة والمعاصرة الذي سبق وهاجم هو الآخر جهات أمنية في وزان، لكنه رغم ذلك ها هو اليوم يترأس المجلس الإقليمي لوزان. (حسب ما جاء في جريدة أخبار اليوم).

هذا الأمر استوقفني كثيرا للتساؤل حول ما إذا كان التهديد اليوم أصبح آلية مباشرة للتحكم؟ أم هذا يعني أننا أمام حالة منظمة سرية تقاوم بكل الوسائل قواعد المنافسة الديمقراطية وتتوسل لإفساد العملية الانتخابية بأساليب التحكم والترهيب؟ وهو الذي عبر عنه الأستاذ حامي الدين بطريقة أخرى حين تكلم عن العلاقة بين الفساد والتحكم، معتبرا أن الفساد يمول التحكم والتحكم يوفر الحماية السياسية للفساد.

إذا كان الفساد بمفهومه الكلاسيكي اعتمد، من جهة، على تدمير النزاهة في أداء الوظائف وبالتالي التلاعب بمصالح المواطن وقيمه وتقاليده، ومن جهة أخرى، على سلطة المال بإفساد الإفراد سواء ناخبين أو منتخبين، فإننا اليوم أصبحنا أمام مظهر جديد للفساد يعمل على إفساد المؤسسة الحزبية من الداخل، وبالتالي هو فساد ضد الجد القائم على فعل الانتماء الحقيقي للمؤسسة، وهو الأمر الذي تعكسه مسألة منح التزكيات المجانية للترشح باسم مؤسسة الحزب.

الفساد المؤسساتي اليوم ”تحول من سلوك فردي إلى عمل منظم ومخطط له، يستثمر فيه البعض لمراكمة ثروات غير مشروعة يستثمرها في المحطات الانتخابية، وهذا الاستثمار يبلغ ذروته حينما يبتدئ بشراء مرشحين لا تربطهم أي رابطة تنظيمية مع الحزب ووضعهم على لوائحه، وتنتهي بشراء أصوات الناخبين الكبار مرورا بشراء أصوات الناخبين البسطاء واستغلال فقرهم وحاجتهم أثناء الحملة الانتخابية”. بهذا الأمر تنكسر مدونة السلوك الأخلاقية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والإدارية خارج إطار القانون، وخارج الأخلاق وخارج القيم الإنسانية.

الأمر إذن انحراف وأي انحراف، هو افتقاد للطهارة السياسية، هو استخفاف بالمسؤولية وخيانة للأمانة، هو فعل ضد الإصلاح، هو طعن للمواطن في ظهره، الفساد بذلك وبكل أصنافه ينخر قدرة المؤسسات ويؤدي إلى إهمال إجراءاتها.

أساس الفساد السياسي هو أن النخبة السياسية تكون مخدومة وتصل للسلطة خارج المشروعية، أو بمعنى أصح في ظل ديمقراطية مغشوشة. وهو الأمر الذي تكون له كلفة سياسية خطيرة تؤدي إلى تآكل مصداقية المؤسسة واهتزاز شرعيتها، وهو ما ينعكس على مستوى استقرار العملية السياسية بالبلاد، وبالتالي تآكل شرعية العلاقة بين السلطة والمجتمع.

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقا

أعلمني عن
‫wpDiscuz