الرئيسية » عين حرة »

الفلسفة و تحديات العالم القروي

في زمن فقد عقارب ساعاته، زمن راح يفتش عن المعنى وسط ظلمات المخيال الاجتماعي القروي، ويختبر  الوعي الزائف، الذي لم ينضج بعد لدى الفلاحين البسطاء، الذين يقضون النهار كامله داخل  حقولهم أو حقول غيرهم ، ويتعبدون داخل معابدهم وضرائحهم أو مساجدهم، يتبركون بترابهم المقدس الطاهر، ويكرسون سلوكهم هذا لأبنائهم، جيل الواقع الإفتراضي، فعندما تنظر إلى جملة العادات والتقاليد التي تأطر العالم القروي، تبدو وكأنك قادم من عالم مجرد، متعالي، بل كانك فوق تاريخ الإنسانية، ليس هذا فقط وأيضا تتبعثر كلماتك ، وتفقد معانيها راحلة عنك إلى جعبة اللغة القروية، عليك يا سيدي أن تكلمني بلغة البدوي، هذه اللغة التي تعلن عن ذاتها فوق قمم الجبال الشاهقة، هذه اللغة التي تتورد بزهور الياسمين، والفلفل، النارجيس، إنه سحر الطبيعة لا محالة. إن جمالية المنظر قد تعود بك إلى ماضي الزمن الجميل، الزمن الذي لم يفقد عقارب ساعاته، لكن الإنسان المتيقظ ، الغير المنخدع بأنوثة الطبيعة، يدرك من الوهلة الأولى أن هذه الفتاة الدعوبة تخفي من ورائها جهل مطبق، سيما عندما تتكتل جميع النخب والطبقات الاجتماعية حول ما يسميه القاموس القروي بالأسياد والأولياء والشرفاء إلى غير ذلك من المسميات التي لا تعد ولا تحصى، حتى لا يسوء الفهم فلا أنظر إلى السيد الفلاني بقدر ما أتساءل عن تلك الطقوس التي يتبجح بها القروي، هل هي نتاج الوعي أم انها نتاج اللاوعي الجمعي ؟ طريق العقل والفكر لا محال مستبعد من طريقنا ، ليظل اللاوعي الجمعي محركا أساسيا لما نراه في كل مناسبة طقوسية، هنا تنعدم الفلسفة ، بل ما جدوى الفلسفة في عالم يؤمن بثلاث عوالم :عالم” الله” وعالم” الأولياء والأسياد”وعالم” أرضي مادي”  وعوالم أخرى لا جدوى من ذكرها. لم الفلسفة في عالم قروي يتكلم بفلسفته الخاصة، فلسفة أشباه رجال الدين الذين يستغلون منابرهم في كل يوم جمعة أو خلسة لضرب الفلسفة بجهلهم التام بها، بل أكثر من ذلك يقلبون مدارك الناس بخطباتهم الرنانة التي تتجاوز القول الديني في أغلب الأحيان كما عاينا ذلك في مسجد الرضوان بإقليم شفشاون . لعل أخطر لوثة يمكن أن تصيب المجتمع لهي لوثة أشباه رجال الدين الذين إذا ما ناقشوا الفلسفة فسدون الدين والفلسفة معا، رغم ذلك فنحن لا نرفض أن يكون هناك تزاوج بين الفلسفة والدين، لكن شريطة أن يكون رجال الدين ذوى الألباب والعقول النيرة التي تدرك وتلم بالفلسفة والمعرفة الدينية حتى لا تفسد عقول الناس من جهة و لا تلوث مناخ التعايش بين الفلسفة والدين من جهة آخرى.

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

ياسين أغلالو

خريج كلية الآداب والعلوم الإنسانية ، حامل لشهادة الإجازة في شعبة الفلسفة ومدرس مادة الفلسفة

عدد المقالات المنشورة: 2.

خلاصات ياسين أغلالو

اقرأ لنفس الكاتب:

اترك تعليقا

أعلمني عن
‫wpDiscuz