الرئيسية » عين حرة »

الفيلم القصير

خرج أحمد ببزته الأنيقة ذات الطابع الكلاسيكي المميز وهو يستشيط غضبا والدماء تنفجر من وجهه لفرط الحمورة الظاهرة بوضوح على محياه. رافقت حركته السريعة الغاضبة في مغادرة المنزل همهمات تصل الى الآذان، وبشيء من خيبة الأمل وانكسار متعجرف همس:

– كيف يعقل هذا؟ أنا أفشل؟ وأمام طفل؟؟؟!!!!! لا لا هناك خطأ ما!

كان أحمد رجلا على مشارف الأربعين، وكان مخرجا معروفا بأفلامه القصيرة الناجحة التي حصدت له الثراء والمعجبين إضافة إلى الشهرة.. كانت لأفلامه لمسة خاصة؛ فلطالما أولاها اهتماما عميقا ينبثق من فؤاده المغرور..

خرج ذاك الصباح مذعورا على إثر اتصال من الأستوديو الخاص به ليخبره بفوز شاب عشريني في مسابقة الربيع والتي كان أحمد قد ربحها لثلاث أعوام على التوالي، وكان واثقا من فوزه هذه المرة أيضا، لكن ثقته هذه سرعان ما تبددت وضرب بها عرض الحائط.. ركب سيارته الفارهة قاصدا التوجه لسينما الريف القابعة أمام السوق الداخل بمدينة طنجة المغربية العتيقة، والتي كانت ستعرض الفيلم الفائز.

أطرق طول الطريق في تفكير عميق ولم ينبس ببنت شفة رغم حاجته الدفينة للصراخ؛ ففشله هذا أمام مبتدئ سيكلفه الكثير. بدت له الطريق طويلة جدا وكلما اقترب تزداد طولا. وصل أخيرا وإشارة الغضب على وجهه، وما إن خرج من السيارة حتى اتسعت عيناه من الدهشة وفتح فمه على مصراعيه من هول المفاجأة؛ فلم يخطر بباله حضور هذا الكم الهائل من الناس.. تفرس في الوجوه بعينيه واحدا واحدا بحثا عن وجه مألوف، وما هي سوى لحظات حتى تراءى له وجه مساعده حسان بطوله الفاره وعضلاته الضخمة، في عقده الثالث.. أسرع إليه وسحبه من يديه وسأله بلهفة وانزعاج فشل في إخفائهما:

– حسان ما كل هذا؟؟

نظر إليه حسان بنظرة حازمة وقد لاحظ الشرارات الغاضبة المتطايرة من عيني رب عمله ثم قال:

– أستاذ أحمد، لا أحد يعرف سر هذا الاهتمام من الناس ولا سر هذا الفيلم.. لكننا سنعرف قريبا..

هز أحمد رأسه موافقا علامة على الاقتناع بكلام مساعده، ثم توجها معا لصالة العرض، وجلسا على مقعدين شاغرين ينتظران.. مرت لحظات ضجيج وصخب، وسرعان ما اتخذ الناس مجالسهم وأطفئت الأنوار منذرة ببدء العرض..

ظهرت على شاشة السينما الضخمة صورة لسقف منزل مهترئ وبقيت الصورة نفسها. انتظر الحضور أن تتغير الصورة ولم تتغير. مرت عشر دقائق على الصورة ذاتها دون أدنى تغيير يذكر. اصفر وجه الحضور وبدت علامات الاستياء على وجوههم عدا أحمد ومساعده حسان اللذان تنفسا الصعداء كأنما عادت إليهما زمام الأمور.. هم الحضور بالخروج، لكن الصورة تغيرت وقتها لتستوقفهم وتكشف تواجد طفل معاق يحدق في السقف نفسه، أي نفس الرؤيا التي شاهدها الجمهور تلك المدة الوجيزة.. وكتبت العبارة التالية: “أنتم لم تنظروا سوى دقائق معدودة ولم تطيقوا لحظة من حياته التي يحياها يوميا دون كلل..”

تسمر الحضور مكانهم كما لو صعقهم التيار، وبدت علامات التأثر بوضوح على محياهم.. في حين امتقع وجه أحمد وتسللت العبرات إلى عينيه دون وعي وهمس بمرارة:

– زمانك قد ولى أستاذ أحمد.. أفسح المجال للأفكار العظيمة لتعبر عن ذاتها!!!!

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

راضية الكويسي

راضية الكويسي، من مواليد 1998م بدوار النشارين التابع لجماعة أسجن بإقليم وزان. طالبة في كلية العلوم والتقنيات بمدينة طنجة.

عدد المقالات المنشورة: 4.

خلاصات راضية الكويسي

اقرأ لنفس الكاتب:

اترك تعليقا

أعلمني عن
ترتيب التعليقات حسب:   الأحدث | الأقدم | الأكثر تقييما

دمت متألقة أختي راضية و مزيدا مزيدا من النجاح ان شاء الله في مسيرتك

شكرااا غاليتي

ما شاء الله عليك راضية المرضية.. الله يعينك حبيبتي

نحو القمة غاليتي…

‫wpDiscuz