الرئيسية » عين حرة »

الكتاب المدرسي و مسؤولية التأليف

مهما قيل عن كون هذا الطرف أو ذاك يحتل الدور المحوري في المنظومة التربوية، فإن الكتاب المدرسي يبقى هو اللاعب الأساسي في العملية كلها، لأنه هو المترجم للفلسفة التربوية وهو الموجه للعملية التعليمية التعلمية داخل القسم، وهو الأداة التنفيذية للأهداف والغايات والمرامي والتوجهات الكبرى للسياسة التربوية.. وعليه فإن مباشرة تأليفه ليس بالأمر الهين، بل إن مسؤولية فشل المشروع المجتمعي تقع على عاتق الكتاب المدرسي وعلى مؤلفيه، لأن مضامين الكتاب المدرسي، من معارف وعلوم وطرق تحليل ومناهج تفكير، هي التي تحدد وتشكل توجهات التلاميذ واختياراتهم وأساليب تفكيرهم ومواقفهم وسلوكهم حتى عندما يتخرجون من المدارس والمعاهد والكليات، بل وتظل هذه المضامين هي المهندسة اللاشعورية التي يصعب التخلص من حضورها الدائم في أغوار العقل الباطن لأي إنسان تلقى معارفه من المدرسة.

وبناء على ذلك فإن استحضار هذه القيمة التي يكتسيها الكتاب المدرسي أمر واجب على من يتولى تأليف هذا الكتاب وهندسته، انطلاقا من اختيار النصوص الوظيفية وفق معايير علمية دقيقة، ونقول اختيار النصوص بكثير من التحفظ لأن الأمر يستدعي – في ظل الشروط التاريخية التي يجتازها المغرب ويجتازها العالم أيضا – توظيف نصوص جديدة تكتب خصيصا لاستيعاب التنوع الثقافي والحضاري وطبيعة التحولات الثقافية والقيمية التي فرضتها قوانين العولمة، وإعداد الناشئة لخوض غمار الحياة الجديدة والمستقبلية مع الانفتاح الايجابي على قيمه الوطنية والدينية والتاريخية بروح جديدة ومنهج جديد، يضمنان أن يعمل المواطن المتخرج من المؤسسات التعليمية على ضمان استقرار بلده ومجتمعه، بدل أن يعانق نظريات وأفكارا تجاوزها التاريخ والواقع والمنطق كما هو حاصل في برامجنا الحالية، أو كما سيحصل مستقبلا تحت تأثير الكتب التي شرع في تأليفها حاليا.

لقد أكدت مرارا على أن القيم الوطنية لا تمرر إلى التلاميذ لمجرد وضعها كعناوين للدروس أو الاكتفاء بالإشارة إليها داخل متن النصوص أو من خلال الأسئلة المذيلة لها، بل تحتاج لتمثلها وتصورها وتحويلها إلى ثقافة وسلوك، إلى منهج نصي جديد يجعلها تندمج أوتوماتيكيا داخل البنية العقلية للتلميذ، وتتحول إلى قناعة ومرجعية لا شعورية لكل مواقفه وسلوكياته… وهذه طريقة لا يجب الاستغناء عنها أبدا للانتقال بمقرراتنا الدراسية إلى مستوى من التطور، تجعلها قادرة على صناعة فكر مغربي وإنسان مغربي في مستوى تاريخه وثقافته وحضارته.

إن النصوص الوظيفية ليست مجرد آلية لتعويد التلميذ على قراءة النصوص وتذوقها والتمييز بين أنواعها وأجناسها… فهده نظرية أصبحت اليوم غارقة في التخلف… إن النص الوظيفي بتشكيلته البنيوية التي نقترحها اليوم وسيلة لحمل التلميذ إلى آفاق أخرى من التفكير العلمي في الواقع الذي يعيشه، وفي التحديات السياسية والاجتماعية والثقافية التي تنتظره بعد أن يتخرج من المدرسة… النص الوظيفي بالشكل الذي نتصوره سيجعل من التلميذ إطارا وطنيا يغادر المدرسة من أي مستوى من المستويات الدراسية ولأي سبب من الأسباب، وهو على استعداد للمشاركة الإيجابية في شؤون مجتمعه وكل ما يتعلق بالفضاء العمومي الذي سيحضنه. وهذه هي رسالة التربية في الوقت الراهن وفي مغرب اليوم…

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقا

أعلمني عن
ترتيب التعليقات حسب:   الأحدث | الأقدم | الأكثر تقييما

يعتبر الفرنسي روني أوبير أن إعطاء الكتاب المدرسي المكانة المحورية في المناهج التربوية هو السبب الرئيس في عقم الطرق التربوية؛ وهو يعول بالأساس على ذلك التفاعل الإنساني والاجتماعي بين المربى والمتربي؛ ويعزز جورج موكو هذا الرأي التربوي بتصور نفسي يعتبر فيه أن العلاقة الوجدانية بين المدرس والتلميذ هي القناة التي تمرر فيها كل القيم والمواقف والمهارات المستهدفة من طرف المؤسسة التربوية.
في هذا السياق فإن تربية التلاميذ على لمشاركة الإيجابية في شؤون مجتمعهم وكل ما يتعلق بالفضاء العمومي الذي سيحضنهم لا تمر عبر مواجهتهم بنصوص وظيفية فقط، مهما كانت قيمة هذه النصوص عالية معرفيا ومنهجيا وفلسفيا؛ بل بإعداد الأرضية التواصلية والعاطفية التي تحفزهم أولا على تقبل هذه النصوص وتعرفها وفهمها وتحليلها وتطبيق مضامينها ونقدها؛ باعتماد مقاربات ديداكتيكية معلومة ومجربة، ولا نظن أن هذا الرأي متخلف، بل هو متطور لكنه منحصر في امتداداته الأفقية والعمودية؛ والدليل على ذلك أن كثيرا من خريجي هذا التصور اللبيداغوجي هم الآن ذوو مستوى رفيع في التحليل الفلسفي والأدبي؛ ومنهم صاحب هذا المقال الذي تعجبنا نظريته لكننا كبيداغوجيين ممارسين ننتظر منه أن ينزل درجا من برجه الفلسفي المتقدم ليقدم لنا نموذجا عمليا لنصوص ولطريقة التعامل معها ينقذنا وينقذ تلاميذنا مما نعيشه وإياهم من تخلف ديداكتيكي، لكن بكل تواضع علمي يجعلنا نطمئن إلى أن هدفه فعلا هو المساهمة في تقدم طرقنا التربوية.

‫wpDiscuz