الرئيسية » عين حرة »

المجتمع والسياسة

يُصرُّ كثير من النشطاء والفاعلين السياسيين المحليين السابقين على القول باستقالتهم من أي انخراط تنظيمي أو عملي في المشهد السياسي الراهن بالمغرب. وهم بإصرارهم هذا يلتقون مع جمهور واسع من المغاربة الذين أنِفُوا من السياسة والسياسيين، فاختاروا الانزواء والابتعاد أو التراجع والانكماش.

هذا الموقف المسجل للرفض والقطيعة مع الحياة السياسية يحمل علامة مسجلة تُغري بالبحث والمساءلة، وبخاصة حين يتعلق الأمر بحجم القطيعة بين الجمهور والنخب المتوسطة، في إعلان الموقف نفسه إلى جانب الشرْخ الكبير بين هذه النخب ومن تمثله من الفئات العريضة نظريا على الأقل، وهنا تكمن علامة من العلامات الجديرة بالتأمل والمراجعة، من حيث هي علامة دالة على مُحايَثةٍ من نوع خاص تجمع الالتقاء والافتراق.

بَدَهِيُّ أن هذه العلامة المرصودة منذ مطلع الألفية الثالثة وما تواتر معها من تجديد وتغريب ووعود ومفاجآت وإصلاح ونكوص، تحمل من عناوين العطب أضواء كاشفة لحقيقة واحدة هي بؤس السياسة الضارة بالبلاد والعباد.

ليس للقطيعة المُعلنة، وهي تحظى بهذا الإجماع، من معنى سوى نهاية التردد وبدء العد التنازلي لتاريخ الفرص الضائعة، المستبدلة بالفرص المنتهزة من طرف الأقلية التي تركب الموجات وتتلون بالألوان وتَتَقَنَّع فتتطبع بما يناسب المرحلة وكل مرحلة.

يتضح إذن أن الأمر يتعلق بمعنى من المعاني بنفاق سياسي وبانتهازية سياسية وباستبدال صريح للجماعة بالفرد، ومن هنا أيضا تصبح الجماعة والفرد في حالة استنفار قصوى لحرب مؤجلة لا تنفك طبولها تدق كل يوم، في حين أن هناك أو هنا حروبا صغيرة دائمة لا تضع أوزارها ولا يهدأ سعيرها، يستطيع أي كان أن يحدد ملحمها أو عنوانها أو إحداثيات وجودها، وعموما يستشعر أي كان دخانها وبالطبع لا دخان بدون نار.

جَلِيًّ إذن أن الأمر لا يتعلق فقط بوجود علامة بارزة تؤشر على وضع سياسي غير سليم يسير ضد مجرى التاريخ بل يتحدد في وجود قضية سياسية تعني المجتمع برمته وتحدد مصيره ومستقبله، ومن هنا تصبح الحاجة ملحة أكثر من أي وقت فات إلى التفكير مرة تلو المرة في أسباب القطيعة وخلفيات الاستقالة من الحياة والسياسة جمهورا ونخبا متوسطة، قد تكون التربية على القيم أهم مدخل للمعالجة والتصحيح الجذري للدولة والمجتمع، وبالطبع، هما معا لن يعدما الوسائل والوسائط الكفيلة بذلك، فهما وجهان لعملة واحدة لا تحتمل تَلَفا لوجه دون آخر.

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقا

أعلمني عن
‫wpDiscuz