الرئيسية » عين حرة »

المخطط الجماعي للتنمية بالجماعات الترابية التابعة لإقليم وزان… المطلب الصعب

منذ مدة طويلة وهي تساورني فكرة الكتابة حول مثبطات إعداد المخططات الجماعية للتنمية بالجماعات الترابية بإقليم وزان، بحكم اضطلاعي عن قرب على مسلسل إعداد هذه المخططات منذ منتصف سنة 2010. وتتأسس هذه الفكرة بشكل عام، على حالة نفسية ممزوجة بالتوتر واليأس من المنهجية التي تدار بها الشؤون الاقتصادية، والمالية، والاجتماعية، والسياسية، والإدارية… لهذه الجماعات، بغض النظر عن ضعف الإمكانيات المالية، والكفاءات البشرية. ولعل من إيجابيات عملية إنجاز المخططات السالفة الذكر، كشف العديد من العوائق التي تحول دون عقلنة التدبير الجماعي، ومن ثم تحقيق التنمية المحلية.

وبحسب المعطيات المتوفرة، يمكن مقاربة هذه العوائق من خلال زاويتين أساسيتين:

الزاوية الأولى: تتعلق بالتناقض المنهجي الموجود بين نظامي اللامركزية وعدم التركيز.

فقد كان مطلوبا في جميع مراحل إعداد المخططات الجماعية للتنمية (مرحلة الإعداد والانطلاقة، مرحلة الحالة الراهنة والتشخيص التشاركي، مرحلة التخطيط الاستراتيجي والبرمجة، ثم مرحلة التنسيق)، حضور المصالح الخارجية، من أجل التنسيق، ومد الجماعات بالمعلومات التقنية الضرورية، التي تحتاجها في تشخيص وضعها الاقتصادي، والاجتماعي… إلخ. فضلا عن التنسيق مع الجماعات فيما يخص برمجة المشاريع التنموية. وبحكم منطق التسيير العمودي للمصالح الخارجية، فقد ظهر عجزها عن التجاوب مع مقترحات المشاريع المشتركة، التي وجهت إليها قصد تأكيد تمويل شراكتها مع الجماعات، في إطار ملاءمة هذه المشاريع المبرمجة في المخططات الجماعية للتنمية، مع مشاريع المصالح الخارجية المبرمجة، والتي هي في طور الإنجاز. تبين ذلك خلال الاجتماع الذي انعقد بمقر عمالة وزان يوم 11 يونيو 2013، والذي خصص لمناقشة إمكانيات التنسيق وتأكيد الشراكات المقترحة بين الجماعات وهذه المصالح (الإقليمية منها والجهوية)، حيث كان من المفترض أن تتفاعل الأطراف المعنية، وتتفاوض حول تمويل المشاريع المقترحة. غير أن الاجتماع لم يكن يشكل أهمية للمدعوين، فلم يحضر سوى 4 رؤساء للجماعات، وممثلي بعض المصالح الخارجية، الذين أصابهم “البكم”. وهذا ما جعل الاجتماع يخيم عليه هدوء مطبق، فلفظ أنفاسه دون نتيجة، اللهم حفلة شاي، ووجبة غذاء دسمة، أنست الحاضرين هم وغم الاجتماع، وأطربت المتطفلين الذي ملأوا نصف الكراسي كما هي العادة.

هذا الوضع، يحيل على محدودية المقاربة الدستورية التي تتوخى تنسيق المجهودات التنموية بين آليتي اللامركزية وعدم التمركز. فالآلية الأولى تتوخى التخطيط انطلاقا من القاعدة، أي المستوى المحلي، مع إشراك الساكنة المحلية في اتخاذ القرار. أما الآلية الثانية، فترتكز على التخطيط من القمة إلى القاعدة، بمستوى عمودي. لذلك، ظهرت بشكل جلي صعوبات التنسيق، من خلال ضعف إمكانيات الجماعات على كافة المستويات، بالمقارنة مع الصلاحيات الممنوحة لها، والقيود المفروضة على المصالح الخارجية، التي تكتفي بمهمة تنفيذ وتتبع البرامج المصاغة من المركز. وهذا ما يعوق مقاربة التنسيق، في الوقت الذي صارت فيه الجماعة الترابية مسؤولة عن تنمية نطاقها الجغرافي في شتى المجالات.

يحدث هذا بكل الجماعات الترابية بالمملكة، التي انخرطت في إعداد مخططاتها الجماعية للتنمية. حسب ما أكده أعضاء جمعية “تاركة” المكلفة من طرف المديرية العامة للجماعات المحلية، ووكالة تنمية أقاليم الشمال بمواكبة الجماعات القروية بعدد من الأقاليم في إعداد مخططاتها التنموية. بالرغم من وجود إطار تشريعي واضح، يلح على ضرورة التنسيق والالتقائية. خاصة المرسوم رقم 2-10-504 المتعلق بتبسيط مسطرة إعداد المخطط الجماعي للتنمية، وإسناد المصالح الخارجية للدولة مسؤولية التنسيق مع الجماعات الترابية، وتقديم يد المساعدة لها في إنجاز مخططاتها الجماعية للتنمية. وتتمثل هذه المساعدة على الخصوص كما نصت على ذلك المادة السابعة من المرسوم فيما يلي:

  • تبليغ المعلومات حول المشاريع التي تعتزم الدولة والمؤسسات العمومية والقطاع الخاص إنجازها فوق تراب الجماعة؛
  • وضع الوثائق والمعطيات الضرورية لإعداد المخطط الجماعي للتنمية رهن إشارة الجماعة؛
  • تعبئة الموارد البشرية والمالية التي يمكنها المساهمة في إعداد المخططات الجماعية للتنمية.

هذا النص القانوني صيغ خصيصا من أجل تنسيق الجهود بين الجماعات والمصالح الخارجية. وإذا كانت مقتضيات الدستور (المادتين 135 و139)، والميثاق الجماعي (المادة 36)، تفرض على الجماعات صياغة مخططات تنموية بناء على آليات تشاركية استراتيجية، وعلى منظور أفقي للشؤون المحلية، فإن هذا التوجه لازالت تعوقه منهجية التخطيط من فوق التي تعمل وفقها المصالح الخارجية. وبالتالي نجد أنفسنا أمام جدلية الممانعة بين أسلوب اللامركزية الذي يتوخى التخطيط من القاعدة، أي إنتاج مشاريع ومخططات من طرف الساكنة، بناء على الحاجيات والأولويات الملحة، وأسلوب عدم التمركز الذي يتم من خلاله التخطيط بشكل عمودي من فوق إلى تحت. ولعل هذا العائق المنهجي هو الذي يفسر صعوبات التنسيق بين الجماعات والمصالح الخارجية.

الزاوية الثانية: ترتبط بموقف أغلب رؤساء الجماعات الترابية من التخطيط الاستراتيجي التشاركي.

فبغض النظر عن المستوى التعليمي لكثير من رؤساء الجماعات الترابية بإقليم وزان، أبان أغلبهم عن امتعاض واضح من العمل الذي تقوم به جمعية تاركة، والذي يتلخص في مواكبة ودعم هذه الجماعات في إعداد مخططاتها الجماعية للتنمية. حيث نظروا إليها بعين الريبة، وانشغلوا بموضوع التعويضات التي حصلت عليها الجمعية مقابل القيام بهذه المهمة، متجاهلين تماما ضرورة الانخراط في مسلسل التخطيط الاستراتيجي التشاركي، المنصوص عليه في الدستور، وفي الميثاق الجماعي. كما شكك بعضهم في الجدوى من هذا التخطيط، مثيرين إشكالية ضعف الموارد المالية التي ستتم تعبئتها لإنجاز المشاريع المبرمجة في المخططات الجماعية للتنمية. في حين يعملون على تكريس أسلوب التسيير الإداري العتيق لشؤون الجماعة، بدل التدبير الاستراتيجي التشاركي، المبني على مبادئ الحكامة الجيدة، والانفتاح على جميع الفاعلين، بما في ذلك الساكنة المحلية والمجتمع المدني.

غير أن عدم التجاوب المثمر الذي أبداه أغلب الرؤساء بشأن إنجاز المخططات الجماعية للتنمية، ينبني في حقيقة الأمر على ضعف حماسة إشراك الساكنة في إعداد البرامج وخطط العمل التنموية على المستوى المحلي، في إطار المقاربة التشاركية. بالرغم من التنصيص الواضح على هذا الأمر في ديباجة الدستور، وفي الفصل 135 منه. ذلك لأن العمل السياسي سيصبح غير ذي فائدة أمام التخطيط الاستراتيجي الذي تساهم في إعداده الساكنة المحلية. حيث لا يملك الرئيس في هذه الحالة سوى صلاحيات تنفيذية لما تم إقراره من طرف الساكنة، وتزكيته من طرف المجلس الجماعي.

وإذا كانت شؤون أغلب الجماعات تدار بمنئى عن مبدأ الشفافية، ولاسيما فيما يخص الصفقات، والمعاملات المالية، وكل مبادئ الحكامة الجيدة، ومنها التشاركية، فهذا دليل على استبعاد مقاربة التخطيط البعيد الأمد، ليس لأن الجماعة تفتقر للإمكانيات المالية والبشرية، وإنما لأن أغلب القيمين عليها اتكاليين، لا يبحثون عن الموارد لمشاريعهم، عبر إبرام اتفاقيات الشراكة، مع المؤسسات الحكومية وغير الحكومية، داخل الوطن وخارجه، أو تطوير أداء الجماعة على شاكلة المقاولة التي تسعى إلى توسيع استثماراتها ومداخيلها المالية. فالجماعة التي تم تصور دورها في أفق 2015، هي الجماعة المقاولة، التي تتوخى تحقيق الرخاء الاقتصادي والاجتماعي، والحرص على تحقيق المردودية، في إطار مبدأ النجاعة. وبناء على هذا التصور، فرؤساء الجماعات مطالبون بتقمص دور المستثمر، والمقاول، والمضارب، لصالح الجماعة. فهل يتحقق هذا المطلب الصعب؟

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

محمد عبروق

باحث في القانون الدولي، ومتتبع للشؤون المحلية بإقليم وزان.

عدد المقالات المنشورة: 1.

خلاصات محمد عبروق

اترك تعليقا

أعلمني عن
ترتيب التعليقات حسب:   الأحدث | الأقدم | الأكثر تقييما

مقال في الصميم، هذه حال أغلب المشاريع بإقليم وزان و هذا حال التعامل معها. فليأخذوا العبرة من جيراننا في إقليم الشاون: المسؤولية والجدية وبالتالي النجاعة و الفعالية

شكرا لك على اثارة هذا الموضوع،وانا شاهد عيان علىالطريقة “المهزلية” التي تم بها إعداد المخطط الجماعي للتنمية بوزان واعجبتني من مقالك هذه الفقرة “العمل السياسي سيصبح غير ذي فائدة أمام التخطيط الاستراتيجي الذي تساهم في إعداده الساكنة المحلية. حيث لا يملك الرئيس في هذه الحالة سوى صلاحيات تنفيذية لما تم إقراره من طرف الساكنة، وتزكيته من طرف المجلس الجماعي.”

‫wpDiscuz