الرئيسية » عين حرة »

المشاركة السياسية والعزوف المبرَّر

المشاركة السياسية والعزوف المبرَّرظاهرة الاغتراب السياسي أو العزوف عن المشاركة السياسية هي ظاهرة جديدة وليست قديمة في المغرب، بدأت إرهاصاتها في انتخابات 2007، وبعض المحللين السياسيين يوعزون هذا العزوف إلى ٱرتفاع نسبة الأمية في المغرب ٪ 60 وإلى أسباب ٱقتصادية وسوسيولوجية.

فإذا كان تقرير 50 سنة من التنمية البشرية أشار إلى أن المغرب الراهن هو ورش مفتوح لرهانات متعددة سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، فإن هاته الرهانات لن تنجح إلا بمشاركة وتفعيل دور الشباب في النشاط السياسي بمختلف جوانبه، سواء النشاط الوطني العام أو النشاط من خلال منظمات وأحزاب سياسية. صحيح أن جميع الديمقراطيات في العالم تشهد مشاركة هزيلة، وهذا مثار نقاش عالمي ذي أبعاد فكرية سياسية وسوسيولوجية، لكن للأسف ما أسفرت عنه نتائج انتخابات 2007 أمر يخيف الجميع رغم المجهودات التي بذلتها الدولة ومختلف الفاعلين السياسيين والجمعويين لحث الشباب على المشاركة في الانتخابات.

إن عزوف الشباب المغربي عن اقتحام أدغال السياسة وأهوالها، راجع إلى تراكمات كثيرة، على جميع المستويات الاقتصادية، الاجتماعية، السياسية والثقافية تتحمل فيه الدولة النصيب الأكبر، بالإضافة الى مسؤولية الهيئات السياسية والتي أصبحت عاجزة عن صياغة برامج أكثر عمقا لتحسيس الشباب بأهمية العمل السياسي على المستوى الاقتصادي. لابد من التذكير أن الشباب المغربي يعاني من عدة مشاكل، تتمثل في غياب البنيات التحتية الأساسية التي من شأنها المساهمة في إدماجه السوسيو اقتصادي وبالتالي انخراطه في العمل السياسي، ومن بين المعدلات المثيرة للاهتمام والعجب معدل البطالة سنة 2007، والذي وصل إلى نسبة 15.4% بالنسبة للفئة العمرية [15-24] بالإضافة إلى أن نسبة كبيرة من الشباب خاصة في العالم القروي يزاول أنشطة ذات طابع موسمي غالبا ما يترجم واقع بطالي غير منتج أكثر ما يعبر عن تشغيل حيوي. من جهة أخرى، تساهم آفة الفقر التي تمس أزيد من 9 % من الساكنة المغربية أغلبهم من الشباب تكريس ثقافة العزوف عن الممارسة السياسية. ويبقى غياب البنى التحتية، ولا سيما بالمناطق المعزولة، من خدمات صحية، الماء الصالح للشرب، الكهرباء، التجهيزات الرياضية، المؤسسات الثقافية وقاعات السينما والإنترنيت من أهم العراقيل البنيوية التي تدفع الشباب إلى رفض كل مشاركة سياسية.

من جانب آخر، يجب التذكير أن مؤسساتنا الحزبية وللأسف لا تؤدي وظيفتها المخولة لها من طرف الدستور وقانون الأحزاب، المتمثلة في تأطير المواطنين وتربيتهم على الثقافية السياسية وقيم المواطنة. والمثير للعجب أن هذه الأحزاب غير متواجدة أصلا في القرى والأرياف، ولا تعرفها الساكنة إلا من خلال الانتخابات، مما يزيد من تعقيد مسألة تواصل المواطنين خاصة الشباب معها، وبالتالي يولد فقدان الثقة فيها… وهذا شيء ليس في صالح الديمقراطية، ولا السياسة، خاصة وأن بلدنا يطمح إلى تحقيق انتقال ديمقراطي.

ولا يخفى على أحد أن من بين الأسباب التي تعيق ممارسة الشباب للعمل السياسي بالمغرب هو أن معظم الشبيبات الحزبية المغربية على رأسها قيادات غير شابة تفرض على الشباب بطريقة التعيين أو الترشيح المركزي، وتساق تبريرات كثيرة حول استمرارية القيادات القديمة تحت مسميات الخبرة والمراس وسعة التجربة والحفاظ على التوارث بين القديم والجديد، ولكنها في حقيقة الأمر ما هي إلا تبريرات للحفاظ على استمرار ضمان الهيمنة الحزبية على الشبيبات الحزبية من خلال بعض القيادات التي تجاوزت عمر الشباب، ومنها من دخل في العقد الخامس وهو يقف على رأس شبيبة حزبية، وبما يعني احتجاز التطور للكوادر الشابة والحد من عملية التجديد، ومن هنا ضرورة الحد الفاصل بين سن الشباب المنخرط في الشبيبة وسن الكهول المرتبطة بقنوات الحزب.

وفي نفس السياق، يرى العديد من الشباب أنه لا جدوى للانخراط في الأحزاب ما دامت بلادنا تعرف ميلاد طبقة جديدة من التقنوقراط اتسع نفوذها وأصبحت تسيطر على الاستوزار الحكومي، رفض الشباب للسياسة يزداد حدة طالما أن الديمقراطية الداخلية للأحزاب لم تترسخ بعد، وطالما أن الجو العام السائد داخل الأحزاب لا يوفر أي هامش للعمل السياسي البناء والمثمر المبني على تفجير الطاقات والمواهب التي يزخر بها الشباب.

انصراف الشباب عن العمل السياسي واكبه بروز ظاهرة الانخراط القوي للشباب في جمعيات المجتمع المدني، باعتبار أن هذه الأخيرة تقترب من قضاياهم ومشاكلهم الاقتصادية والاجتماعية بصورة ملموسة، مما يساعدها على التأثير في واقعهم، بل وتخصص حيزا لفئة الشباب لتكوين قيادات تشاركية دون إقصاء، وفضلا عن هذا فإنها ملمة بمجموعة من القضايا كالتشغيل والبطالة والتعليم والصحة وأكثر فهما لخصوصية الشباب وميولاته المتنوعة، انخراط هذه الفئة في الجمعيات والعمل داخل هيئات المجتمع المدني يُخول لها المشاركة في تدبير الشأن العام وإن بشكل غير مباشر، من خلال المساهمة في تطوير المجتمع، ودعم التنمية، والمساهمة في محاربة الظواهر الاجتماعية السلبية.

إن معالجة الرهانات والتحديات المطروحة على المغرب لن تأتي إلا بفعل سياسي قوي وديمقراطي يكون الشباب من خلاله فاعلا رئيسيا، حقيقيا ومباشرا، مما يحتم على كل الفاعلين رسم سياسات وخطط متوسطة وطويلة الأجل تكون محصلتها وضع الشباب في سياقهم المجتمعي الصحيح كقوة متغيرة رئيسية ومبادِرة.

وفي الأخير نناشد جميع الشباب المنخرطين في جمعيات المجتمع المدني المشاركة في بناء الصرح الديموقراطي وجعل الانتخابات المقبلة عرسا شبابيا مئة بالمئة.

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقا

أعلمني عن
‫wpDiscuz