الرئيسية » عين حرة »

المقارنة المرة أو نكسة الديمقراطية.. اشهد يا تاريخ

بين ثورة وثورة جاءت جروة لتكتنز ثروة، وفعلا فقد فعلت، غير أنها لا تعترف بواقع الحال، وتريد أن تجمع بين النقيضين: الثورة والثروة، أي أرصدة السندات وعبارات الاعتراف والثناء الجميل، وهما ضدان لا يجتمعان لأسباب:

على مستوى مميزات الثورة:

  • الثورة تدوم أياما وليست يوما أو بعض يوم؛
  • الثورة تواجهها الأجهزة الأمنية وليست تحميها؛
  • الثورة تعاكسها أجهزة النظام القائم المختلفة، وخاصة الأمنية والإعلامية، ولا تساندها!!
  • الثورة تُسقط الضحايا ممن قاموا بها.

وكل هذه المميزات معكوسة بين 25 يناير 2011 و3 يوليوز 2013 (والمستمرة حتى اللحظة) من جهة، وبين 30 يونيو 2013، من جهة أخرى!!

على مستوى مفهوم ومقتضى الديمقراطية:

تقتضي الديمقراطية الاحتكام إلى صناديق الاقتراع لحسم الخلافات وتدبير الشأن العام عبر تداول سلمي للسلطة. ويحكم الشعب على مختلف المتنافسين عبر برامجهم المقدمة قصد تفضيل فريق عن سواه، وبهذا المعنى فإن من حظي باختيار الناخبين يكون ملزما بتطبيق البرنامج المقدم الذي على أساسه تم اختياره وتفويضه. ويترتب عن هذا التعاقد أمران: أولهما: عدم جواز أو إمكانية مطالبة الطرف المفوَّض بتغيير برنامجه أو تعديله أو التنازل عليه، وعدم الجواز هذا يطبق على المستوى الإجرائي وحتى -ومن باب أولى- على المستوى الأخلاقي. وثانيهما: المحاكمة الشعبية لهذا الفائز بثقة المجتمع على وفائه بوعوده المتضمنة في برنامجه المذكور، وذلك عبر إعادة تجديد الثقة فيه، أو نبذه. إضافة طبعا إلى المحاكمة أمام القضاء، في حالة ثبوت اقتراف جرم يستدعي ذلك.

والحالة هذه يكون معيبا من حيث الشكل والمضمون المطالبة بتقييد حرية من فوضه المجتمع قيادته بإملاءات، كيفما كانت، تجعله ينكث ما وعد الناس به. فإذا انتُخبت فتح ببرنامجها السلمي التفاوضي التعايشي السلس.. يكون من الهوج مطالبتها بتصعيد خيار المقاومة والمواجهة المسلحة.. لكن إذا تم انتخاب حماس بناء على برنامجها المقاوم التصعيدي.. يكون من النذالة مطالبتها بغدر مختاريها وسلك طريق اللين والمسالمة، لأن ذاك الخيار كان متاحا عند الطرف المنافس، ولم يحظ بالقبول..

فترة التداول ليست قرونا، إنها أربع (4) سنوات، يمررن ونمضي لمحاكمة شعبية عبر الصناديق. ومن لم يستغل فرصته المتاحة يكون قد جنى على نفسه، وسيلفظه الشعب. أما أن ننقلب على شرعية انتخابية بعد مرور سنة من 4 سنوات على بدايتها، فهذه سُنة قبيحة بشعة، تجرنا للفوضى وتؤسس للمزاجية، وتتيح الفرصة لمرضى القلوب بداء السلطة والمال والاصطياد في الماء العكر والعمالة… لتنفيذ أجنداتهم، وإغراق البلد في “اللامرجعية”، ما دام الآخر سينقلب عليك غدا دون قيد أو ضبط أو معيارية..

على مستوى أخونة الدولة:

أثيرت تهمة “ناعمة” تنطلي على السذج من الناس تتعلق بـ”أخونة” الدولة والشرطة والمؤسسات… والحقيقة أن هذه التهمة في حد ذاتها، ومن حيث المبدأ، تدعو إلى الذهول والعطف في نفس الوقت!! ولكن دعنا من هذا الجانب -فقد أفردت له مقالا مستقلا أسميته: “تهم ناعمة” ينشر لاحقا، إن شاء الله- ولنتمعن حاليا في صدق تحقق هذا “الجرم”..

طولَ مدة حكم السيد مرسي القصيرة، والإعلام يسبه ويحرض عليه عبر أغلبية غالبية قنوات البلد، ولا ناه ولا منته(سلطة أو غيرها). طول هذه المدة والاحتجاجات الفئوية لا تنقطع(من رحمة الله أن افتعالها أبقاها محجمة) عبر الإضرابات والاعتصامات وقطع الطرقات… ولا ناه ولا منته أيضا!! طول هذه المدة والشرطة لا تحرك ساكنا قصد استتباب الأمن، خاصة في ما يتعلق بالأعمال المشوشة على أداء الأجهزة التنفيذية… أين هي “الأخونة” إذن، وأين تتجلى؟؟ هل من “أخون” الدولة يطاح به في سويعات غير مأسوف عليه إلا من طرف الشعب الذي لا يملك إلا نفسه وجسده؟؟!!!

من “أخون” لا يمكن أن تمرر عليه مشكلات عظام مفتعلة تُحل اليوم الموالي للانقلاب -الأمن والكهرباء والبنزين-، بل ويحتفظ بنفس وزراء قطاعات الأزمة في حكومة الانقلابيين!!!

المكون الوحيد الذي يمكن أن يكون قد “تأخون” بشكل كبير، هو الشعب “المؤخوَن” الذي انتخب هذا الإخواني، وهذا لم يكن ليحدث في سنة، بل عبر عشرات السنوات من العمل، هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فإن الحل الوحيد لتفادي هذه “الأخونة” في هذه الحالة هو استبدال هذا الشعب!!..

على مستوى شرعية الشارع:

نعم صحيح الشرعية لها عدة أسس وعدة مرجعيات وعدة مستندات… ومن هذه الأشياء: شرعية الشارع، وشرعية الإنجاز ، وشرعية حقن الدماء… وتم الادعاء -بهتانا وزورا- أن هذه ضد السيد الرئيس..

بالنسبة للشارع، فرغم التغرير الإعلامي، والإغراءات المادية والمالية، الداخلية والخارجية (المواكبة والمصاحبة والحراسة الأمنية، توزيع المأكل والمشرب(من أموال الدولة عبر الأجهزة الأمنية، وليس من أموال المتطوعين)، إلقاء الطائرات قصاصات لربح أطقم تجهيز المطابخ،…)، ورغم ما يقابل ذلك من نقيض بالنسبة للطرف الآخر(قتل، وضرب، وجرح، وتنكيل، واعتقال، وابتزاز، وتشويه، وتهديد…)، قلت رغم هذا كله، فإن أصحابنا لا يلبثون بالميدان إلا بقدر ما يستهلكون ما وزع عليهم من أموال الشعب، أو بقدر ما يتوصلون بجوائزهم وقصاصاتهم، متحلقين حول مهرج أو غانية أو موزعة مخدرات، يظهرون في تلك الساعة من ذلك اليوم مجموعات تحرص كاميرات العهر الإعلامي على إبعاد الصورة، فيبدون كرأس أجرب، أو واحات مقزمة في فضاء الصحراء الكبرى!!

رغم تسليحهم الذاتي بالأسلحة البيضاء، ورغم حراستهم ومساندتهم المادية والمعنوية.. غير مخلصين ولا مطمئنين. إنهم أُجراء، بمجرد استلام أجرتهم ينصرفون، فالعمل على قدر الأجر. من استلم ينصرف، لا بقية، لا رسالة(اللي كلا حقو يغمض عينو، و يمشي بحالو.. ما بقاش كيسال)..

يُأتى بالمخرج “العفني” العميل ليصور المظاهرات بواسطة طائرة تملكها الدولة قصد تسويق الانقلاب على النظام القائم، فيتم دمج مظاهرتي المعارضة والتأييد، عبر إخراج خرج عن الإنسانية والصواب: ثورة “الفوتوشوب”!!..

بالمقابل ها هو بركان بشري خامد في الميادين لأيام يواجه لظى الهجير بالصوم والأوراد والصبر والتجلد، رهبان ليل فرسان نهار، دون حافز أو حماية أو عطف من بني سي سي، فإذا ما زأر أنتج “تسونامي” آدميا لا يوقفه حاجز إلا إرادته وتخطيطه..

تقديرات شبكة جوجل ووكالات الأنباء والشبكات الإخبارية العالمية: مظاهرة 30 يونيو: 632 ألف متظاهر، متظاهرو دعم الشرعية: بين 30 و40 مليونا!!

أليست هذه شرعية كمية شعبية أصيلة تمثل الجزء الأكبر من الشعب المصري، دون مراء ولا عمالة ولا أجر ولا تسول ولا ذلة..

إذن لمن تميل شرعية الشارع سواء من حيث الكم أو الاستمرار، وهذا دون محفز مادي؟؟!!!

خمس(5) استحقاقات شهد لها المجتمع الدولي بالنزاهة والشفافية وبياض اليد والسريرة كلها تعطي الفوز لنفس التيار!!!!

شرعية إنجاز سنة من العمل في هذه الظروف العصيبة لا يمكن أن نطالب أكثر: العمل 18 ساعة في اليوم كرئيس للبلاد، حل مشكل “البوتاجاز”، حل مشكل رغيف الخبز، تحقيق أعلى نسبة إنتاج القمح(قبل حرق فدادين منه عدوانا وخوفا من النجاح)، تركيب لوحة إلكترونية محلية الصنع وتعميمها على التلاميذ، تركيب سيارة محلية الصنع، وضع مشاريع صناعية وخدماتية عملاقة لتنمية منطقة قناة السويس مما جعل الإمارات يجن جنونها وتمول الانقلاب…

وفي كل الأحوال، فإن شرعية الإنجاز يحكمها ضابطان: الأول، وهو المتفق عليه في كل الديمقراطيات، هو أن من لم يجتهد ولم ينجز لا يعاد انتخابه ما دام الأمر يتعلق بمجرد ذلك، فإذا ثبت تقصيره أو اختلاسه أو غير ذلك من الجرائم التي يعاقب عليها القانون، فيقدم للمحاكمة القضائية. والضابط الثاني، وهو الخاص بهذه الحالة، واستنادا إلى تأليب المتحكمين في اتجاه الأحداث العالمية، الواضعين لخرائط الطريق التي ينبغي أن ننمذج عليها المجتمع، وبما أن هذه التجربة قد سبحت ضد تيارهم، فهم قد تحالفوا وضيقوا عليها من كل جانب قصد إفشالها طامعين في أن يكون ذلك بمثابة خرابها الذاتي لكي تكون عبرة لكل من أراد أن يقتدي بها.. لكن لم تنجح الخطة رغم الجهد، وبدا أن المراهنة تظهر خاسرة مع مرور الوقت، فالمارد اشرأب وكاد يشب عن الطوق!! وهنا لا مجال للمراهنة على عامل الوقت فهو في غير صالحهم، وعليه لا بد من تدخل يد العناية البشرية المباشرة لفل الحديد.. فلو كان هناك مثقال حبة من خردل شكا أن المشروع فاشل، لم يورطوا أنفسهم هذه الورطة، ويقامروا بحياتهم، ويشوهوا سمعتهم..

يكفيه إنجازا أنه لم يعتقل مخالفا، ولم يغلق قناة، ولم يصادر صحيفة، ولم يتابع ساخرا أو قاذفا، ولم يعذب متهكما…

إنه الرئيس الذي لا يمكن وصفه -في الوقت الراهن- إلا بالرئيس المختطف!!!

مسألة شرعية حقن الدماء تحاجج بها البعض منهم”التسلفيون”. ولهؤلاء نقول: كم روحا أزهقت خلال فترة حكم السيد الرئيس(سنة)؟ وكم روحا أزهقت في هذا الشهر الذي لم يكتمل بعد؟؟!!! فأين أنتم الآن من حقن الدماء؟؟؟!!!!!!

على مستوى الارتباط الخارجي ومفاهيم التحالفات والعداءات التاريخية:

في هذه النقطة بالذات، لم يعد للمنطق وجود، كما أن دودة القز قد التهمت بشراهة آخر أوراق التوت التي تستر بها بعض “المتعقلنين” المتناقضين لعقود، ذلك لأنها جمعت كل نقضائهم..

فلطالما اتهم هؤلاء غيرهم بالتحالف، بل وتنفيذ أجندة رعاة الإبل، أناس تحت الصفر، الوهابيين المتخلفين المحافظين الرجعيين… فإذا بهم لم يجدوا غيرهم يرتمون في أحضانهم قصد التدفؤ بأرصدة البترويورو والبتترودولار ليمولوا بها حملتهم التعسفية راشين المرتزقين المياومين من الناس بما فضل عن حاجاتهم الخاصة..

فئة أخرى تدعي استمداد شرعيتها من مقاومة الاستعمار والامبريالية، والانحياز إلى الطبقات المحرومة، والانتصار للنظام الكفيل بتحقيق العدالة الاجتماعية… ما نراها إلا تحالفت مع نقيضها الأبدي وشيطانها الأكبر ورأس الشر، طمعا في حصول اعتراف ونيل شفاعة تكون وسيلة لإجبار الأذيال على المرور عبر المسار الذي مر منه الرأس!!

الفئة الثالثة خُلقت ونمت على العداء للعدو الصهيوني.. فما نرى الانقلابيين إلا لجؤوا للحَبر الأعظم كي يأخذوا الأمان على أنفسهم، ويطمئنوا حماة الهيكل أن مجيئهم إنما كان تنفيذا للوعد، وأنهم باقون على العهد، شريطة أن يتموا عليهم النعمة..

فئة أخرى ترى وجودها مبررا بمحاصرة المد الشيعي ومقاومته، فما نجد إلا مباركة من راعي الرافضة مسوِّد العمائم..

إن فعلا ما تجمع فيه “بنو علمان” مع نقضاؤهم “بنو خلجان”، و”بنو شيوع” مع “أضدادهم” “بنو امبريال”، و”بنو عر-قومج” مع أندادهم “بنو إسرا-صهيو”، و”بنو ستلف” مع مقابليهم “بنو شيع”، لكفيل بأن يكون قذرا نتنا، تفوح منه ريح العمالة والمؤامرة والخسة على مسافة سنوات ضوئية!!!

نعم، إنه فعلا مجمع الموبقات!!

على مستوى تاريخ القيادات ووضوح المرجعية:

لم، لا، ولن يثبت أي مدع غير نظافة اليد، وسمو النفس، وصدق العمل، واستقلالية القرار، والإخلاص، والبذل، والتضحية والإيثار ونكران الذات، ووضوح المرجعية وانسجامها مع فطرة المجتمع واستجابتها لنبضه.. فأين الآخرون المؤجرون المنسلخون المنفذون من كل هذا؟؟!!

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقا

أعلمني عن
‫wpDiscuz