الرئيسية » عين حرة »

النادل

استيقظ كعادته قبل آذان الفجر بعشر دقائق، توجه إلى المرحاض المشترك داخل الدار الآيلة للسقوط بالمدينة القديمة، والتي تضم خمس أسر تتصارع من أجل البقاء والعيش. رش وجهه بالماء البارد المنسكب من صنبور صدئ، تحول لونه من الأصفر المذهب إلى البني الشاحب بسبب برودة الدار الشديدة، الإمبراطورية التي تغيب عنها الشمس. تمضمض ثلاثا، محدثا صريرا عجيبا، ثم بصق الماء بشدة على حائط المرحاض، تاركا على الجير الباهت من شدة المجاعة والقحط، نتوءات كثيرة، ما كانت لتحدث لولا صلابة شفتيه الباذنجانيتين السمينتين.

لبس سرواله الأسود الوحيد، وقميصه الأبيض المائل إلى الصفرة بفعل تأثير جافيل دلعبار، ثم انتعل حذاءه الأسود البراق وتوجه إلى المقهى غير مكترث لتلك الأعداد القليلة التي تلج مسجد الحي الصغير لأداء صلاة الفجر. كلما مر بجانب المسجد ردد دعاءه المأثور الذي لا يحفظ غيره؛ يقول والحرج يعلو محياه النحيف: “الله يهدينا حتى يدينا”.

كل صباح يتوجه العربي إلى المقهى حيث يعمل نادلا منذ سنة خلت. يمر يوميا على أسراب كثيفة من الحمقى والمشردين النائمين على الأرصفة وأمام أبواب المساجد. يحس تجاههم بالشفقة أكثر من إحساسه بالرأفة على نفسه، يتمتم بعبارات السخط على هذا الواقع المر. يمشي حوالي ساعة من الزمن، يحس بنشوة كبيرة عندما يسمع صدى كعب حذائه اللامع يتردد عبر الطرقات الخالية. تعرض العربي مرارا للتوقيف من قبل دوريات الشرطة التي تمشط المكان، لكن سرعان ما يخلى سبيله عندما يحملقون في سحنته البدوية المعروفة.

لصوص المنطقة يعرفون العربي النادل، يحتسون يوميا براد شاي منعنعا بالأموال المنهوبة. كم هي لذيذة تلك القطرات المتبقية من الشاي في الكأس، خصوصا عندما يرتشفونها أثناء تناوبهم على سيجارة سمينة مملوءة بالتبغ وقطعة حشيش من النوع الممتاز. العربي لا يدخن، لكنه يستمتع باستنشاق الدخان المتطاير من خراطيم أنوفهم الواسعة، يبدو العربي كرأس كبش فوق كومة فحم ملتهب يوم عيد الأضحى.

العربي يعتبر قدومهم إلى المقهى عيدا، وأي عيد مبارك هذا خصوصا عندما يطيرون إلى كوكب بعيد، فتنهال عليه الدريهمات الحرام من كل حدب وصوب.

أخيرا، وصل العربي إلى المقهى وهو يلهث من شدة المشي. يزيل الأقفال السميكة، ويشرع في ترتيب الكراسي بدقة وإتقان. يتذكر أيام طفولته في القرية النائية عندما كان ينظف القسم المتآكل وينظم الطاولات في صفوف متراصة كطابور جيش صباحي.

ومع نسائم الصباح العطرة، وبروز أشعة الشمس الدافئة، تبدأ الوفود الأولى من الزبائن الأوفياء في اقتحام المقهى؛ جماعة من المتقاعدين المسنين، بجلابيبهم الصوفية السميكة، صراخهم يصل إلى قمة الزقاق، يتشاجرون حول تلك الآيات التي تلاها الإمام أثناء صلاة الفجر، أهي من سورة البقرة أم من سورة الكهف، فيجيب العربي بعصبية شديدة: “أنا هو البقرة، تركت قريتي الصغيرة الهادئة وجئت إلى المدينة، إلى كهف يلتهم كل من لا حيلة له ولا قوة.. سأعود إلى قريتي وإلى أرضي”، ثم هرول كالأحمق، بسرعة جنونية صوب أول حافلة متوجهة إلى قريته المتواضعة في الجنوب، تاركا وراءه ذكريات وقصصا أسطورية.

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقا

أعلمني عن
ترتيب التعليقات حسب:   الأحدث | الأقدم | الأكثر تقييما

Bien venue said. twahachna makalitika lmodhika wa lmarira fi nafs lwakt. matbkach tghayib 3lina bzaf. nantadir lmazid. chokran

الأخت وداد المحترمة
خالص التحيات لك أختي الكريمة على اهتمامك البالغ بقضايا الأدب ومعانيه، كما أعبر لك عن امتناني لكريم عنايتك بإبداعاتي المتواضعة التي نقتسم فيها جميعا مختلف الظواهر والقضايا المجتمعية التي نعيشها، وإن كان التركيز عليها بشيء من السخرية والفكاهة، على اعتبار أنني أهدف منذ البداية إلى انتزاع البسمة والفرح من القارئ والقارئة، كما هو الشأن في يوميات معلم في الأرياف.
أشكرك مرة أخرى على كلماتك الراقية وأتمنى لك مقاما سعيدا كريما بأمريكا

بكتاباتك بدأ اميل الى الادب و عشقه، تحياتي لك دكتور سعيد مع خالص المتمنيات لك بالتوفيق و النصر و التمكين و الفوز و الحضور الدائم و الانتاج الوافر و العمل الصالح و و و و و و و و و و و و
عودة محمودة

خيال لاحدود له

الأخوان العزيزان، دكتور عبد الحق العزيز والأستاذ رشيد المحترم
كل الشكر والتقدير على التشجيع، بارك الله فيكما

‫wpDiscuz