الرئيسية » عين حرة »

بعبع الهدر المدرسي

بات الهدر المدرسي يشكل بعبعا خطيرا يلاحق المنظومة التربوية عبر اختلاقه اختلالات ومعضلات تقف حاجزا أمام بلوغ المرامي والأهداف المتوخاة من المرفق التربوي،وتعتبر مسألة تعميم التعليم وإلزاميته من بين الأهداف الأولوية التي بادرت الدولة في اتخاذ استراتيجيات داعمة لها منذ الاستقلال إلى اليوم ـ في شكل “مخططات خماسية” و”تنظيم منتديات اصلاحية “،كما أن الميثاق الوطني للتربية والتكوين جعل مبدئيا من التعميم دعامته الصلبة وأسمى رهاناته وتطلعاته،لكن هذه العناصر في الواقع تظل تمثل مجرد طموحات نابعة من إرادة لا متناهية يكسرها مد الواقع بإفاداته وشهاداته،من حيث أن الهدر المدرسي لا زال يتغلغل في البنية التربوية المغربية ،إنه ينشب بأظافره السامة فرائس جديدة كل سنة خاصة بالمجال القروي،وتمثل الفتيات ألذ وأعذب الضحايا المختارة من قبل “الهدر المدرسي” بنسبة 58 بالمائة .

  لقد بدأت ملامح الوعي بخطورة ظاهرة “الهدر المدرسي” تتشكل وتتوضح عند الدارسين والمهتمين المغاربة أساسا خلال سنة 2004،في هذه السنة قدمت “منظمة اليونسكو” اضاءات مهمة من خلال بحث لها ،أثبتت فيه أن المغرب يتوفر على أكبر نسبة من الهدر المدرسي في العالم العربي بأكمله،وأنه يحتل المرتبة الثانية بعد موريتانيا على صعيد المغرب العربي.ولابد من القول أن تلك النتيجة تحصلت وفق المبدأ التالي:إن نسبة الهدر المدرسي ترتبط في عمقها بمستوى الناتج الداخلي الإجمالي الخام للبلدان.ولعل من أقرب أوجه جسامة الظاهرة ما يستتبعها من مستتبعات اجتماعية خطيرة من قبيل:انتشار الأمية ،انتعاش الجريمة في المجتمع بكل محركاتها وأحجامها وملابساتها،خسارة الموارد المالية للدولة،شل الفاعلية الايجابية للأفراد في المجتمع..أمام هذه الأضمومات تنكشف جغرافية وتمفصلات الاشكالية ومدى أهمية الحاجة لفهمها ولملمة البياضات التي تشوبها.

  إن مفهوم “الهدر” في أصله لا ينتمي إلى المجال التربوي ،إنه من المفاهيم الرحالة التي دخلت عالم التربية بعدما ترعرع المفهوم ونضج إلى  حد الامتلاء في أحضان عالم الاقتصاد والبزنيس،ولعل سبب ومبرر حدث الرحلة المفهومية راجع إلى  التطور الحاصل في طبيعة الرؤية الجديدة للتربية ،بما هي أهم نشاطات الاستثمار الاقتصادي،فمهمة التعليم اليوم لا تقتصر فقط على تعليم الناس الكتابة والقراءة بقدر ما هي استثمار له عائداته المالية ،بحيث أن للمدرسة اليوم دور طلائعي في إنتاج الثورة المعرفية والتكنولوجية والاقتصادية ،من خلال تأهيل الموارد البشرية كما هو الحال في البلدان المتقدمة.

تختلف الدراسات التربوية في تحديد دلالات “الهدر المدرسي” باختلاف المنطلقات المعرفية العامة،الأمر الذي يجعله يصنف من بين المفاهيم الفضفاضة التي تستوعب أكثر من تعريف وتشمل أكثر من مقاربة،فتارة يستخدم المفهوم ليعني التسرب الذي يطال مسيرة الطفل الدراسية التي تتوقف في مرحلة معينة دون استكمال التعليم الأساسي،نفس المفهوم يقصد به في بعض الأبحاث الفشل الدراسي الناتج عن التعثر الدراسي الموازي للتأخر،بينما كتابات أخرى تضعه مقابل عدم التكيف المدرسي.ويمكن صياغة التعريف الاجرائي للهدر المدرسي وفق التالي:

  “نكون أمام الهدر المدرسي في حالة انقطاع التلاميذ عن الدراسة بشكل نهائي قبل إتمام المرحلة الدراسية،أو ترك الدراسة قبل الانتهاء من مرحلة محددة.”إنه يحيل في العمق إلى كل ما يعيق النجاعة الفعلية للعملية التعليمية التعلمية عبر تصادمه مع عدم الالتحاق بالدراسة والرسوب،والتغيبات المزدوجة،وعدم تحصيل الكفايات التعليمية المرجوة…إلخ،وبالجملة إننا أمام ظاهرة تنخر المنظومة السوسيوتربوية ،حاملة معها كل ركائز الفشل على الصعيد الفردي والجماعي بواسطة شحنتها الحرارية القادرة على تذويب الحركة الطبيعية للمجتمع وفتكها عبر تكريس الجهل والركاكة والتخلف،والانكماش والانغلاق المتعدد الأبعاد الذي يتعارض مع حدس العصر ومنطقه الانسيابي المنفتح.

تتداخل في ظاهرة الهدر المدرسي جملة من الأسباب يصعب تحديدها بدقة مركزة نظرا لتداخل الذاتي بالاجتماعي،بالاقتصادي بالتربوي..كل تلك الأطراف الأربعة تتدخل بدرجات متفاوتة في تغذية وتنشيط معضلة الهدر، ضف إلى ذلك بعد المدارس عن مكان إقامة الأطفال ،وعزلة المداشر ،وضعف التجهيزات الأساسية للمؤسسات التربوية المقرفة،وظروف عيش المدرسين الأصعب من ظروف الحرب وجوها،والاكتظاظ الحاصل فيما يسمى بالأقسام المشتركة بالتعليم الأولي مما يجعل مهمة المدرس أمام هذه الأقسام هي الاندهاش وحراسة الأطفال بتوصيات مباشرة من الأطر الادارية ،أمام هذا المناخ تصبح العملية التعليمية التعلمية  أنشطة مسرحية لها خشبتها، أبطالها ،جمهورها،كواليسها…

 يحتل العامل الاقتصادي التأثير الأقوى في تغذية المشكل المطروح لأنه يرتبط بالإمكانيات المخجلة للأسر،التي أضحت تعاني وبشكل متزايد من الارتفاع الصاروخي لتكاليف الدراسة ومستحقات التسجيل ،واقتناء الأدوات والملابس ،في غياب لمنح مدرسية مخصصة للتلاميذ قصد التخفيف من لهيب المستحقات ،الأمر الذي يجعل الأطفال بصفة عامة ،والإناث بصفة خاصة يرسمون قطيعة مع المدرسة،والعزم على استبدالها بفرصة عمل من شأنها تسجيل مورد مالي جديد للأسرة .هذا ويمكننا تسييج الفواعل الاجتماعية في طبيعة وضعية المرأة في المجتمع،ونظرة الناس إلى المدرسة خاصة في العالم القروي،وكذا سلطة التقاليد والعادات التي تبسط بسلطتها على بعض العائلات ،فبعض المجتمعات المغربية طبعا يرفض “ضميرها الجمعي” مبدأ تعليم البنات كحق إنساني،لذلك تجد المحظوظات لا يتجاوزن المراحل الابتدائية،بسبب التصورات السلبية الريبية لآبائهم ،وتتدخل أيضا أمية الآباء في الظاهرة،زد على ذلك المشاكل العائلية من صراعات وتوترات بين الآباء أصعبها مستوى الطلاق الذي يروح الطفل ضحيته المسالمة ،نضيف إلى كل هذه العناصر معضلة الزواج المبكر عند الفتيات “كسنة إجتماعية”  خاصة في المناطق النائية المنغلقة وهي كثيرة ومعروفة في بلدنا.

  وتتجسد أهم الأسباب المدرسية المرتبطة ببياضات يشهدها النظام التربوية تعيق استكمال التلاميذ لسيرواتهم الدراسية أهمها:

          ضعف البنية التحتية الأساسية للمدارس.

          هشاشة وقدامة الوسائل البيداغوجية المعتمدة .

  انتشار ثقافة الاحباط والتعتيم.

          نقص في الأطر التربوية وغياباتهم المستمرة.

          ضعف المؤهلات لدى الأطر المسيرة للإدارة.

          عدم مسايرة المقررات للمستويات الوجدانية والذهنية للمتعلم.

          التركيز على منطق الكم والحفظ والتكرار على حساب الكيف والتفكير والابداع.

          الهوة الحاصلة بين المناخ المدرسي ومناخ المحيط الاجتماعي للمتعلم.

          عدم اشراك المتعلم وتبخيس قدراته ومهاراته.

          ندرة الأنشطة التعليمية الفعالة.

          ضعف تغطية المدرسين لحاجات الأطفال وانتظاراتهم بما في ذلك الوجدانية منها.

 إن السؤال الأبدي الذي يفرض ذاته على كل المنشغلين بحقل التربية والتعليم اليوم هو :ما الترسيمات والسبل الكفيلة بتجاوز الهدر المدرسي؟ إننا بحاجة ماسة لمقاربات تشاركية مندمجة ،ولاقتراحات متعددة الزوايا متفاعلة فيما بينها قصد التغلب على الظاهرة،ولعل من بين أهم المقترحات والاستراتيجيات اللازم الالتزام بها بهدف تضييق الخناق على الهدر مايلي:

             – ضرورة إنشاء لجان لليقظة بإشراف من الوزارة المكلفة بالتعليم،ومهمة هذه اللجان تحديد الحالات المهددة بالهدر وإغاثتها .

             – لابد من إنشاء وتفعيل مراكز للإنصات والمتابعة السيكولوجية للتلاميذ داخل الفضاءات التربوية عبر توظيف أبناء تخصص علم النفس،فمن شأن هذه الفكرة امتصاص البطالة والاستثمار الرشيد لتخصصات منسية في الجامعة.

            – ضرورة القيام بدراسات أكاديمية تقف عند خبايا ظاهرة الهدر للتحكم فيها والحد منها.

            – العمل على تحديد المناطق والجهات الأكثر استهدافا من الظاهرة.

            – نشر ثقافة التحسيس والتأطير والمسؤولية المشتركة.

            – تثمين الدعم الاجتماعي من خلال تدعيم جودة الخدمات الداعمة للتمدرس،عبر توفير المطاعم  المدرسية ،والداخليات،ودور الطالبات بشكل مؤهل كفيل بضمان بيئة تربوية محفزة.

            – توفير النقل المدرسي بشكل مكثف وبأثمنة مناسبة.

            – العمل على إحداث الأقسام الخاصة بالإعاقات الخفيفة والمتوسطة.

            – تقريب المؤسسات الابتدائية والإعدادية من الساكنة في رقع جغرافية استراتيجية مدروسة باحكام.

            – ضرورة إعادة النظر في المقرارات،والأدوار المنوطة بالمدرس،وطبيعة النظرة إلى المتعلم.

            – ضرورة التخفيف من أحلام المنهاج وطموحاته عبر تنزيل المرامي الأساسية وجعلها ذات بعد إمبريقي واقعي.

– وأخير القيام بتخصيص المنح المدرسية وتعميم الاستفادة من الدعم الاجتماعي إن كان متوفرا.

   إن الهدف الرئيسي من وراء هذه المساهمة هو إعادة ترتيب وتحديد للأدوار،وتعميق الوعي بالمسؤوليات التي تتبع كل أسرة لها أطفال من ضرورة توفير المناخ الملائم للفاعلية والإبداع، الذي يتأسس أولا على توفير الأمن الأسري الذي ينبني على الحوار والتواصل الهادف بين كل مكونات الأسرة بعيدا عن التشنجات والصراعات التي لا يؤدي ثمنها الحقيقي إلا الأطفال الأبناء،وضرورة اعتماد المدرسة من جهتها على مراجعة أوراقها من شخصية أطرها مرورا بمقراراتها وبيداغوجياتها المعتمدة.ومن ضرورة التركيز على البعد الإنساني- الوجداني في علاقاتها بالمتعلمين والعمل على النهوض به .

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقا

أعلمني عن
‫wpDiscuz