الرئيسية » عين حرة »

بوشتة كوليبالي

في مقصورة ٱلقطار ٱلمكيفة خمسة أشخاص ملتصقون بكراسيهم وكأنهم خشب مسندة، تحسبهم رقود وهم أيقاظ، لا يلتفتون، ولا يتكلمون، أعينهم تكاد تصل إلى أنوفهم من شدة ٱلانتباه وٱلتركيز، صمت رهيب في ٱلمقصورة، لا تسمع سوى ضجيج ٱلقطار وصوت ٱلآنسة ٱلمنبعث من ٱلميكروفون: “محطة ولاد عبقادر”.

صعد بوشتة بجلبابه ٱلصوفي في عز فصل ٱلصيف، وطربوشه ٱلأخضر ٱلمائل جهة أذنه ٱليسرى، شاربه ملطخ بٱللبن، وبقايا ٱلزبدة ملتصقة بذقنه، يحمل في يده ٱليمنى سلة بها ست بيضات وصاعا من ٱلحمص ٱلمبلل، توجه مباشرة إلى مقصورة ٱلموتى ٱلخمسة بٱلدرجة ٱلأولى، مع ٱلعلم أنه يتوفر على تذكرة ٱلدرجة ٱلثانية، سحب ٱلباب بغلظة وكأنه يستعرض عضلاته ٱلفولاذية، قال بصوت جهوري: “السلام عليكم يا جماعة”، لم يسمع ردا لتحيته سواء بمثلها أو بأحسن منها، وإنما أجابوه بوجه عبوس ممتعض من رائحة حذائه ٱلرياضي، لم يكترث للأمر وجلس يحملق في ٱلمومياءت ٱلتي بجانبه.

استمر ٱلصمت وٱلسكون طويلا، فجأة سمع صوت عطس شديد، ربما صاحبه مصاب بأنفلونزا ٱلطيور أو ٱلخنازير، أجاب بوشتة بسرعة ٱلبرق: “آرحمك الله يا ٱلفقير”،، الغريب في ٱلأمر أنه لا أحد من ٱلجالسين عطس، أصيبوا بٱلذهول والدهشة عدا بوشتة ٱلذي لم ينتبه للأمر، وٱستمر على نفس ٱلنهج يكرر بعفوية وسذاجة: “وا رحمك الله يا بونادام”،، أخيرا خرج من تحت ٱلكراسي شاب أسود ٱلبشرة، جعد، أغبر أشعث، قامته متوسطة، ينظر إلى بوشتة بٱبتسامة إفريقية جميلة، قال له بلغة ركيكة: “صدكة آلله خويا بوطربوشة”، من حسن حظ صاحبنا أن ٱلقطار توقف أخيرا ولم يكتشف ٱلمراقب وجوده أو بٱلأحرى وجودهما معا. لم يفهم بوشتة ما قاله ٱلشاب، فأجابه هو أيضا بسؤال: “فين حنا يا هاد جن؟” كانت إجابة ٱلآنسة صاحبة ٱلميكروفون أسرع وأدق: “محطة طنجة”.

أحيانا عديدة تبنى ٱلصداقة في رمشة عين، فٱلقلوب بين أصابع ٱلرحمان يقلبها كيف يشاء. سأل بوشتة ٱلشاب ٱلإفريقي عن ٱسمه، فأجابه بفصاحة بليغة: “كوليبالي”،، اثنان يختلفان في ٱللغة وٱلدين وٱللون، لكنهما متفقان على ٱلهجرة ٱلسرية يحلمان بعروس شقراء، وسيارة دكابوطابل، وآلاف ٱلأوروهات. ظلا يتسكعان في شوارع طنجة شهرا كاملا، تعرفا خلاله على شخص سيساعدهما على تحقيق مبتغاهما، الموعد اليوم على الساعة ٱلثانية بعد منتصف ٱلليل،، انطلق ٱلقارب ٱلمطاطي بسرعة ٱلبرق، ثلات ساعات من ٱلإبحار وصلا بعدها إلى ٱلضفة ٱلأخرى، الشاطئ يبعد بمسافة 200 متر، كوليبالي سباح ماهر، كان يصطاد ٱلتماسيح بأنهار غانا، بوشتة وصل بشق ٱلأنفس بعدما شرب برميلا من ٱلماء ٱلمالح، وٱلتهم على ٱلأقل سبع سمكات من فصيلة شطون.

إنها إسبانيا، فرحة عارمة غمرتهما رقصا على إثرها رقصة كيكيكي كوموني كيكي، فجأة يظهر بائع ٱلزعبول، يصرخ بأعلى صوته: “والموسكة زعبول ديال مولاي بوسلهام غير بجوج ريالات”.

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

السعيد الدريوش

باحث في سلك الدكتوراه بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان.

عدد المقالات المنشورة: 40.

خلاصات السعيد الدريوش

اقرأ لنفس الكاتب:

اترك تعليقا

أعلمني عن
ترتيب التعليقات حسب:   الأحدث | الأقدم | الأكثر تقييما

belle histoire.j’aime ton style ironique

والله أمتعتنا يا رجل ، وصف غاية في الدقة و العمق ، مخيلة نشيطة تجوب الفضاءات و الأزمنة بسلاسة دون تكلف ، الشيئ الذي أضاف للقصة طعما إستثنائيا رغم أن الموضوع مستهلك بعض الشيئ . تحية للأخ السعيد و لاتنس أننا على المائدة وننتظر خروجك من مطبخ الإبداع و النسج و النظم بطبق أخر من يومياتك الساحرة …..

أمتعتنا أخي السعيد,ارهاصات مبدع وروائي كبير بدأت تلوح في الأفق,موفق باذن الله.

‫wpDiscuz