الرئيسية » عين حرة »

بين التربية والتعليم

أعظم ميدان للمواجهة في سلم الحضارة والرقي، ميدان التربية والتعليم، ذلك الميدان الذي فيه يتقرر المستقبل، وعلى نتائج غرسه يتوقف مصير الأمة. نظام التربية والتعليم هو العمود الفقري للدولة. وإعادة ترتيب هذا الجهاز ضرورة الضروريات في حياة الأمة. لسنا بدعا من الأمم التي عانت مثل ما يعانيه نظامنا التعليمي أو أشد، لكنها لما أجمعت أمرها، وصح منها العزم على تغيير ما بها، وعلى إمساك مصيرها بيدها، خرجت من أزماتها، وتجاوزت مآسيها، وأنجزت ما نالت به مكانة عزيزة بين الدول. ولئن صح هذا في أمم شتى، فكيف لا يصح في بلدنا ووطننا العزيز والغالي وهو الذي يملك من المقومات والحوافز ما هو أفعل وأقوى مما لدى غيره. هي أسئلة استوقفتني بعد العاشر من شتنبر، بعد الدخول المدرسي لهذا الموسم وما شابه من غياب للتلاميذ ومن خمول ورخاوة عامة.

بين الهدف التعليمي والهدف التربوي واسطة تصل أو تقطع

لا أحد ينكر دور مؤسسة الدولة في إصلاح التعليم، لكن نجاح التعليم والرقي به لم يكن أبدا قضية دولة بالدرجة الأولى، بل كان البذل والتطوع والمسارعة إلى الخيرات هي البواعث الحقيقية، وهي الفواعل، ولا يلبث إصلاح سطحي أن يتلاشى وقعه إن تناول القشر ولم يستفرغ اللب الموروث ليحيى في المنظومة التعليمية الإعلامية روح الإيمان المتجدد. هي ببساطة لغة التربية والتعليم. لغة التعليم واسطة تبليغ للرسالة التربوية الباعثة وللمضمون التعليمي العلمي. إننا بحاجة اليوم أن تنبعث هذه الإرادة المغيرة الفاعلة من داخل صدورنا نحن أولا كأساتذة، قبل أن نضع أمر إصلاح التعليم والرقي به بين يدي الدولة وتتواكل إليه نفوسنا وتسكت عنه.

مبادرات التغيير

إن مبادرات التغيير التي قد تتخذها الدولة أو الجهاز الحكومي تبقى مولودا ميتا، أو تعيش كائنا هزيلا، إن اصطدمت بأرضية الخمول وثقل العادات والماضي، ولم يتبنها المهتمون بكل جدية وعزم. إن التغيير الحقيقي متوقف، أولا، على استرجاع إيماننا وثقتنا بأنفسنا واعتزازنا بوطننا وبلدنا، ومتوقف أيضا على بناء الشخصية المواطنة المحبة لبلدها العالمة العاملة والواعية بمسؤولياتها، متوقف بالأساس على المشاركة العامة والانخراط في الاهتمام بمصير التعليم.

واجهة التربية والتعليم

لا تقاس واجهة التربية والتعليم ونجاحه فقط بعدد الخريجين من المعاهد العلمية التقنية، إنما النجاح الحقيقي بالكيف الخلقي الإيماني المشارك، والمسؤول الذي يتجلى به جيل كامل أصاب طويلا أو قصيرا من التكوين المدرسي. التربية والتعليم رسالة قبل أن تكون مهمة ووظيفة، وما الجهاز الحكومي إلا إطار منظم وجسم تتحرك فيه العملية التعليمة وتحركه.

بناة خبراء

لا نريد اليوم معامل تفريخ تخرج خبراء في اللفظ والحذلقة، بل نريد تلامذة، وطلبة، ومدارس ومعاهد، حاملة وليست محمولة، فاعلة لا مفعول بها، مجندة لخدمة وطنها لتحقيق الأهداف العلمية الإنجازية للدولة وسط عالم مترصد مليء بالتحديات. مهمتنا اليوم نحن الغيورين على وطننا أن نغير بما استطعنا كل هذا البؤس الأسود، والموت الأصفر الذي يعاني منه تعليمنا. لم لا والدنيا في أصلها حركة وتجديد ونشاط دائب، لم لا والأمر كله منافسة ومدافعة وحيلة، لم لا والدنيا كلها غلاب فلا نامت أعين الجبناء..

الأساتذة بناة في الصف الأول

تعانق المدرسة والثانوية والمعهد والجامعة معاش الشعب وهمومه ومشروعاته. ترتبط بالحياة العامة، من العمل في الحقل، والمرافق الصحية، والمعمل المحلي، والتخطيط المستقبلي، ومحاربة الجهل… ليكن الأساتذة بناة في الصف الأول، وليكن الاعتماد عليهم، بالدرجة الأولى، مدعاة لشعورهم بالمسؤولية، والافتخار بقيادة العمل. هذا يطلب ألا تحلق البرامج والمناهج الدروس والأدمغة في أجواء تجريدية بعيدة كل البعد عن واقعنا، بل نتنزل من سماء الخيال إلى أرض الواقع العنيد وتشمر الأكمام والذيول، لينتج الطفل واليافع والمعلم والأستاذ، إلى جانب التحصيل الفكري، إنتاجا ماديا غذائيا صناعيا.

نحو مؤسسات منتجة

متى نتخلص من هذا التعليم الصوري الموروث صورة ونسخة للرخاوة العامة والانحلال وقلة الجدوى من بذل الأستاذ والتلميذ جهده. نعم نريدها مدارس ومعاهد وجامعات منتجة في كل المجالات، مستقلة ماليا بما تنتجه، غير عالة على الدولة كما هو الشأن اليوم. متعلمون أشداء على المهمات لا مثقفون ذوو بطون رخوة وعقول أجنبية. مهندسون لا ينتجون الأوراق المسطرة، ولا يملأون الاستمارات، لكن يشاركون بأيديهم إلى جانب العامل البسيط، والتقني المتوسط، في الإنجاز بروح الأخوة، والساعد القوي، والتعليم الرفيع. إداراتها يسكنها رجال مواطنون حقا، في قلوبهم هم الرقي بأمتهم ووطنهم.

مدارس لتربية الشخصية المغربية المواطنة

إن ما خلفته المدرسة الاستعمارية أن خربت تلك الشخصية المغربية الأصيلة المعجونة من طينة الفطرة السليمة آخذة بفكرة مفادها أن تغيير المجتمع من أساسه يروم بالأساس وضع نموذج لنوع الشخصية التي يراد تنشئتها. اليوم نحن في أمس الحاجة إلى مدارس أصيلة تنتج لنا شخصية صالحة للاندماج، صادقة وشجاعة، واعية بمسؤولياتها، عالمة عاملة، متميزة ظاهرا وباطنا، صامدة أمام كل إعصار، منتجة ومقتصدة… وعلى ضوء هذا يجب أن تنظم وتوضع البرامج والكتب ويختار المعلمون والأساتذة والمديرون…

لا عجب

من دون تعليم ينطلق من التربية كركيزة أساسية، ويحمل همه رجاله، وتسخر له الخيرات والتقنيات التربوية التعليمية، فلا عجب أن يطول تخلفنا، ويزداد فقرنا وبؤسنا، ويكثر جوعانا ومرضانا، ويتنامى العاطلون فينا، وتسترخص هجرة الأوطان، وتتفشى السلبية والخمول، وتنشأ القابلية والقبول بالدون، والتأثر بالخرافات والدعايات السخيفة.

إليك أستاذي

اكتب كل هذا إلى المعلم والأستاذ بالدرجة الأولى لعل بذرة إيمان تكون مطمورة تحت الركام الثقافي فيصيبها غيث الغيرة والمواطنة فتهتز وتربو. لعل أصل إيمان ينبعث ويستيقظ.

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقا

أعلمني عن
‫wpDiscuz