الرئيسية » عين حرة »

تبعية الاستقلالية وانحياز الحياد

لا أفشي سرا إذا بحت بأنني من مقاطعي الإنتاج الإعلامي المغربي بشتى صنوفه وأنواعه. وأدعو إلى ذلك بإخلاص ونية. غير أني من حين لآخر، وعلى فترات مختلفة طولا وقصرا، وبدوافع مختلفة، أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم وأجهد نفسي في إقناعها بأنه لا بأس من مواكبة أخبار البقعة التي وجدنا أنفسنا فيها. لكن الكارثة أنه بعد ذلك الجهد الجهيد، ما ألبث أن أجد تلك اللوامة تقرعني: “ألم أقل لك إنك لن تستطيع صبرا؟!” مهزوما أفر من تلك المحطات التي تقدم في عناوين نشراتها مواسم الفواكه الجافة والطازجة ومعارض الفنون التشكيلية، تاركة طوابير الشهداء في ميادين الكرامة، وطوابير المعطلين في ميدان اللقمة، إلى الإلحاقات والهوامش.

أهرب من الرسمي -السمعي والسمعي البصري خصوصا- إلى “المستقل” –الورقي-. وهنا أجدني مرتبطا بمنتج لي معه سوابق إقبال وإدبار، ثم إني اخترته، بالإضافة لـ “النوسطالجيا” كما سلف، والتي انبنت على “مصداقية” و”استقلالية” ربما كانتا في ما مضى مقبولتين ولو على مضض، إضافة إلى ذلك كله، اخترته لأنه أسبوعي يمكنني أن أحاصره زمنيا لأنطلق لمشاغلي، فهو، على أي، يلخص الأسبوع. إلا أنني في كل كر أجد ظاهرة لا تكاد تفارقه(هذا المنتج المختار)، كباقي المنتجات، وهي التعامل بشكل غريب مع الأخبار والتحليلات المتعلقة بالتيار الإسلامي. فإذا استثنينا النزر القليل من الأخبار المجردة وبعض البلاغات، ومساهمات القراء الهواة، فإنك لن تجد لأثر إيجابي في تعليق أو تعقيب أو تحليل منجز من طرف هيئة التحرير الرسمية للمنتج، لن تجد لذلك وجودا، حتى إنك لتقتنع تماما أنهم لا يستعملون الموضوع –ما عدا الظاهرة الإعلامية المسيطرة على الساحة الإعلامية- إلا طلبا لزيادة المبيعات، أو إثارة للنكاية، أو لمحاولة المحافظة على ماء الوجه في ذلك النزر السالف الذكر.

وهنا أستحضر تلك العبارة “استندار” الموجودة على الغلاف: صحيفة أسبوعية جامعة مستقلة… وبين صفحاتها الدعوة الملحة الصريحة والمبطنة إلى المصداقية والاحترافية والنزاهة والشرف المهني…

إنه من أبجديات المصداقية و… تناول كل ظاهرة بتوازن واتزان، واعتدال وحياد، وموضوعية وواقعية. وأنا هنا لا أدعو إلى الانتصار إلى التيار المعني أو الانحياز إلى طرحه، وإنما إلى الإنصاف وإعطاء لكل ذي حق حقه.

إنك إذا تصفحت غالبية هذه المنتجات “المستقلة” لا تكاد تجد إلا التجريح والتشكيك والذم…

أليس هذا إجحافا في حق تيار، على الأرض، طويل عريض ممتد عجزت عن مواجهة زيادة ارتفاع عدد أبنائه كل حكومات الأرض على الإطلاق، كما عجزت عن دحض تنظيراته ومرجعياته كل المناظرات المخلصة والمأجورة؟

دعونا من استعراض القوى الكمي والفكري، إن هؤلاء ليسوا معصومين إطلاقا، ولكن أليس لهم ولو حسنة واحدة؟ هل كل هذا الكم البشري والزخم الفكري هراء؟ أين هم الناجون إذن؟ وأين هم الصائبون؟ لا يمكن أن يكون كل الناس في ضلالة على أية حال، ما دام هناك جنة وجهنم!!

نعم الحق ما قوي دليله لا ما كثر قائله، ولكن ما بالك إذا اجتمع الاثنان معا؟ وإلا فما هي حجة الخصوم؟ ولماذا ينتصر هؤلاء الناس رغم المساندة العالمية المطلقة عددا وعدة، عنفا وتنظيرا، لأعدائهم؟

إنه توجهٌ، في هذه المنتجات، لمجرد التناحر وإسالة المداد فيما بين أبناء الانتماء الواحد والابتعاد عن العدو الحقيقي المفتعِل لهذه الصراعات الهامشية -وإن كانت تُكسب المناعة- وكذلك الابتعاد عن الخوض في المشاكل الحقيقية المتفق عليها من طرف الجميع بما فيها جميع التيارات والحكام والمحكومون من جهل وفقر وتخلف وأمية وظلم واستبداد وقهر… وكأن كل مشاكل العالم تختزل في “التطرف”(غير المتفق على تحديده)، أو أن “المتطرفين” هم من تسببوا فيها.

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقا

أعلمني عن
‫wpDiscuz