الرئيسية » عين حرة »

حادثة سير اجتماعية

وهو يحاضرنا عن الظواهر الاجتماعية – ولكي أكون أكثر دقة عن المشكلات الاجتماعية- ، كان يحلو لأستاذنا عبد الرحيم العطري أن يستعمل عبارة حادثة سير اجتماعية التي ما كنا نستطعمها في البداية، فكيف وهو الذي علمنا عند أول عهدنا به ونبهنا إلى خطورة التماهي مع الحس المشترك في أحكامه والرائج من أفكاره والمتداول من لغته؟. فللسوسيولوجيا أصول وقواعد ككل العلوم وأولها ما أشرنا إليه وإلا سقطنا في السوسيولوجيا العفوية التي ليست من العلم في شيء.

قلت ما كنا نستطعمها فهي عبارة مهجرة قسرا من قارة السير والجولان وعالم السيارات إلى قارة السوسيولوجيا، فحصتان كانتا كفيلتين أن تخلق منا نحن -الطلبة المتحمسين- سوسيولوجيون أرثوذوكسيوين لا يشق لهم غبار، يلاحقون الموضوعية الموعودة من زمن أوغست كونت وإميل دوركهايم بكل ما أوتوا من رباطة جأش. غير أن الأيام حجمت من حمية العلمية وأزاحت غشاوتها، فصرنا أكثر تسامحا مع ناصية الكلام ولي عنقه، وتفطنا إلى مستقر ومبلغ الأستاذ، فكثيرة هي الظواهر والعلاقات الاجتماعية الأقرب إلى حوادث السير منه إلى شيء أخر.

فالزواج مغربيا بما هو اتحاد فردين أو جنسين(حتى نقصي زواج المثليين) في نواة الأسرة أحق أن يوصم بهكذا وصمة، فلم يعد في كثير من الأحايين تلك المؤسسة المقدسة التي أسها المودة والرحمة والتعايش والحب، وغدا ساحة وغى يبحث كل منهما عن انتصار وسيطرة وبطولة وهمية يكون لها ما بعدها من عنف وعنف مضاد، وقيعته أطفال وحتى أجنة لم يفتحوا للطعام فما حتى.

مجلبة ذلك كيفية تمثل المغربي للزواج ودافعه إليه، فالانتهاء متوقف على خطوة الابتداء. فكيف البدء عند كثر المغاربة؟ أو كيف تقع حادثة السير الاجتماعية؟

إن كان الباعث انفجار جنسي لم يعد صاحبه قادر على كبته ومداراته أمام تخمة العرض الجنسي في اقتصاديات الرصيف، ولم يسعفه صوم ولا إغاظة الطرف ولا تعويذات ولا تميمة تنفع، أمام تآلف الإعلام والشارع. فالحادثة واقعة حتما عند تحقق الارتواء الجنسي.

وإن كان الدافع التأفف من أشغال البيت من طبخ وغسل وتنظيف، وما تسبب من ضجر لا يستسيغه من نشأ على التقسيم الجنسي للعمل، الذي يجعل من المنزل ومتاعبه شأو الأنثى المحتوم، وإن فعلها الرجل عدت من خوارم المروءة. فالمتزوج لهذا المقصد سرعان ما يعلم علم اليقين أن مسؤولية الزيجة ومتطلباتها أجل من الطبخ والتنظيف، فيستحوذ عليه الندم ويتلهف إلى الأحادية، فتمسي الزوجة ثقلا رابضا على الصدر. ولعمري هذه علة أبشع حوادث السير الأسرية.

مقدمات الزواج هي الأخرى من مسببات الحوادث الأسرية، ومرماي هنا أيام الخطبة الأولى وحتى ما قبل الخطبة، حيث المشاعر الجياشة، والاهتمام المبالغ فيه، والتعلق المرضي بالآخر، والتفقد بمناسبة وغيرها، وأبيات النسيب والتغزل، ووشوشات وهمسات آل العشق. قد يعترض علينا معترض قائلا ما العيب في ذلك؟

لا ضير في ذلك مبدئيا، فما أحوجنا إلى هكذا مشاعر إن تواترت بعد شهيرات العسل، أما إن انفرط حبل المودة هذا أمام سيف اليومي كان الجرح غائرا، والأسى بقدر الانتظار. فهمسات العشاق المثالية التي كانت لا تسمع أمست صخبا وجلجلة تصم الأذان والجيران. فمثالية ما قبل  وقود حادثة ما بعد.

تبقى العلة الأخطر على مؤسسة الأسرة هي ما أحب نعتها ب”والوصايا الإبليسية” عندما يدلي القاصي والداني بدلائه في كيفية ترويض الطرف الآخر، فيوصى الرجل بخشونة التعامل من اليوم الأول، وأن يكون الآمر الناهي، صوته ترتعد منه فرائص الزوجة، ولا ضير إن استعمل العنف”المشروع” في تأديبها، وتوصى الزوجة بالطاعة العمياء، وبنكران ذاتها، وبالذوبان في أنا الرجل، وأن تدور في فلكه، وهذا يفقدها ذاتها ووجودها وأهميتها للرجل، إذ يشعر أنه يعيش بهويتين: أناه الأصلية، وأنا مستنسخة عنها، وشتان بين الأصل والنسخ. فتحدث تصدعات ورجات داخل البيت تسعى الزوجة إلى تلافيها بكل الطرق المشروعة وغير المشروعة أحيانا، أسوؤها الإسراع في الإنجاب لتوطيد الأوتاد. فإن وقعت الحادثة كانت عقباها مروعة.

العواقب المريعة لأهم قنوات التنشئة الاجتماعية مغربيا، هي ما جعلتني ذات زمن أعرف الزواج بعد أن امتحنني فيه أستاذ سوسيولوجيا الأسرة بقولي ” عملية يتم بموجبها إعادة إنتاج بني البشر” فابتسم قائلا: أكيد الزواج أكثر من ذلك.

فأشد ما أبتغيه الآن أن يكون أستاذي على صواب، وألا تقع حوادث السير الاجتماعية، التي ما فتئت تمزق نسيجنا الاجتماعي، حتى غلب الفتق على الراقع.

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقا

أعلمني عن
‫wpDiscuz