الرئيسية » عين حرة »

حب مدفوع الأجر!

إن من يعتقد بأن وحدها الظواهر الطبيعية مثل الزلازل والبراكين وغيرها هي الوحيدة القادرة على تهديد استقرار حياة الإنسان على الأرض فهو بدون شك مخطئ! إذ أن هناك ظواهر أخرى قادرة على قلب موازين البشر وزعزعة استقرارهم العقلي والنفسي. ومَن غيرُ الحب كان سببا في إحداث الأعاصير والزوابع الداخلية وخلق الرياح العاتية التي تأخذ معها كل ما يعترض سبيلها؟ من غير الحب الذي لطالما تسبب في جعل البعض يخرج عن إنسانيته وعقله وثقافته؟ من غير الحب الذي ما إن تأججت نيرانه حتى حرقت الأخضر واليابس؟

ألم نسمع عن جرائم قتل واغتصاب وخطف وتعذيب كلها بدافع الحب وغيرته العمياء؟

ألم نسمع عن مشانق ومحارق وسجون امتلئ معظمها بأناس كانوا ضحية للحب؟

والأهم ألم نسمع عن أناس أصحاب مراكز ومناصب مهمة وثقافة عالية وأبناء أسر محترمة ضاع مستقبلهم بسبب الحب؟

بلى، سمعنا الكثير من هذه القصص ولربما عايش البعض منا معظمها، لكن ما نريد أن نلقي عليه الضوء اليوم هو موضوع معروف وليس حكرا على مدينة أو بلد معين، بل إنك قد تراه أو تسمع عنه أو تصادفه لكني أدعو الله من خالص قلبي ألا تكون في يوم من الأيام من ضحاياه.

أتحدث أيها القراء الأعزاء عن لجوء فئة من الناس (رجالا ونساء) إلى المشعوذين من أجل جلب الحبيب!

إن أكثر ما يصدم في هذا الموضوع أن معظم الفئات التي تزور المشعوذين من أجل جلب الحبيب هم من السادة المثقفين أصحاب الشواهد العليا والعقول الراجحة. لكن للأسف الشديد وقع أغلبهم ضحية لجهلهم الأعمى لمعنى الحب.

ولست أدعي بأنني أكثر إدراكا من غيري لمعناه الحقيقي ولست أتقمص دور الناصحة أو المرشدة، ولكن لنقل أنني أردت أن أتقاسم وجهة نظري المتواضعة معكم حول الموضوع.

إن ما يغيب عن عقول معظم الناس أن الحب أولا وأخيرا رزق. نعم إنه كذلك. لذلك تجد البعض يدعو في صلاته قائلا: “اللهم ارزقني حب فلان أو فلانة”، وذلك لإيمان هذا الشخص بل ليقينه بأن وحده الله سبحانه وتعالى من يفرق الأرزاق.

ومثلما أن المال والأولاد والذرية الصالحة والزوج أو الزوجة الصالحة رزق فكذلك الحب، لذلك إن التجأت فالتجئ لله الذي هو أقرب إليك من حبل الوريد وأحن عليك من أمك.

لا شك في أن هناك مجموعة من الأسباب والعوامل القاهرة التي تدفع هذه الفئة من الناس إلى تغييب عقولهم وتخديرها كليا واللجوء إلى بيوت المشعوذين من أجل جلب الحبيب أو جعله يحبهم ويعبدهم، ومن هذه الأسباب نذكر على سبيل المثال قلة الوعي وعدم الإيمان بالله وضعف شخصية الفرد واعتقاده بأن الحياة لا تسير سوى بمساعدة القوى الخارقة كالجن، والتأثر بتقاليد تجري مجرى الدم في الشرايين، وكذا حين يجد الفرد نفسه فاشلا في حياته الشخصية أو يعيش تجربة حب من طرف واحد أو تخلي هذا الحبيب عنه. وتتعدد الأسباب التي لا يمكن عدها ولا حصرها في هذا الشأن. في الحقيقة كل هذه الأسباب وأخرى غيرها تجعل الشخص حائرا، ضائعا، فاشلا، مكتئبا، وحيدا رغم وجود أسرته وأصدقائه من حوله. والأسوأ أن هذا الأخير يعتقد بأن ما للحياة من معنى دون وجود من يحب، وهكذا يصبح بنيان الأرض لديه قابل في أي لحظة للانهيار فتخور قواه وتضيق عليه الأرض بما رحبت ولا يجد أمامه سوى بيوت السحرة لإنقاذه.

وتبدأ الحكاية التي تزيد تعقيدا بعد الوقت فيصبح الفرد سائحا لا يتوقف عن زيارة الأضرحة والأسياد والشيوخ بل يتعدى الأمر ذلك ليتطور إلى استعداد الفرد الكلي لأي مغامرة مهما تطلب الأمر، فتجده يسبح في هذا النهر، ويغتسل بهذا الحمام، ويشرب هذا الخليط، ويدفع الأموال الطائلة من أجل الأسياد، وتقديم القرابين من لسان حيوان إلى مؤخرة آخر وهكذا…

ويستمر دوران هذا المسكين في حلقات مفرغة وتصبح حياته كلها مبنية على أمل ما تتفوه به أفواه السحرة مثل:

“غيرجع في يوماين” – “غيولي بحال الخاتم فيدك” – “غيبوس التراب اللي تحت رجلك” – “غينعس ويفيق يقول اسمك” – “غيجري وراك فحال الكلب”…

ويكثر التسويف وتبتعد النهايات والأماني عن الإدراك وتتعقد خيوط الحياة أكثر وأكثر في عين صاحبها الأخرق رغم عقله، فالمسكين دماغه عاجز عن التفكير، وفشله المدوي يلتهم قواه رويدا رويدا.

يا له من تلاعب بالعقول، يا له من جهل مبطن بجهل أكثر حلكة، ويا له من انتحار!

إن هذه الفئة من الناس غلبانة على قول المصريين لأنها اختزلت الحياة برمتها في وهم عصا أو تعويذة سحرية ولا يفلح الساحر من حيث أتى.

إن هذه الفئة من الناس عاجزة ليس عن الفعل بل عن إرادة الفعل لأن الفعل دون إرادة لا يتحقق. والإرادة هي سر ومفتاح النجاح حتى في وجه الأبواب التي تبدو مغلقة. إن الحب الذي تجري وراءه هذه الفئة من الناس حب مغشوش، مدفوع الأجر سرعان ما سينتهي قبل أن يبدأ. إن الحب لا يحتاج لسحرة ولا لمشعوذين ولا لتقبيل الأضرحة ولا لأموال طائلة تهدر عليه. إن الحب أن ترى الوجود جميلا فيصبح كل ما تراه أجمل، إنه في تحقيق ذاتك ونجاحك، إنه في قوة الإرادة والتفاؤل، إنه باليقين والإيمان بأن من باعك لا يستحق أن تشتريه تماما مثل كونك لا تستطيع أن ترغم شخصا على حبك، ورحم الله من غنى وقال: “الحب ماشي بالسيف”.

لا تبحث عن الحب فقد تجده ولا تجد احتراما وتقديرا واهتماما، فحتى القرآن الكريم تحدث عن المودة والرحمة ولم يتحدث عن الحب إلا في قصة النبي يوسف الذي قال: “رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه”.

وهذا لا يعني بأن الحب شيء خبيث بل على العكس، لكن الحب لا يعني غيرة مجنونة أو رغبة جارفة تموت احتراقا لجسد ما. إن الحب أن تشعر بالثقة وتتيقن من إخلاص الآخر لك وأهميتك عنده، وليس في أن تجعل حياتك تقف لتستمع فقط للتنهدات التي تدفعك لربط آمالك كلها على غبار ساحر. لا تتقلب على جمر النار بل حول حياتك بيدك لشيء أفضل وأسمى، ولا تبحث عن الحب لأنه عنيد دعه يبحث عنك واستمتع أنت بكل جزء من الثانية بحياتك لأن الزمن لا يعود للوراء.

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

منار رامودة

حاصلة على إجازة في الآداب الإنجليزية، من هواياتي كتابة المقالات والقصص القصيرة والخواطر الشعرية.

عدد المقالات المنشورة: 13.

خلاصات منار رامودة

اقرأ لنفس الكاتب:

اترك تعليقا

أعلمني عن
‫wpDiscuz