الرئيسية » عين حرة »

حداثة الأولياء (3)

أجد نفسي مضطرا في أحيان كثيرة إلى طرح السؤال الآتي:

لماذا تتقدم الديموقراطية في الدول الغربية بينما تعرف تقهقرا ملموسا بل يوميا في دولة كالمغرب؟

وحينما أمعن النظر في هذه المعضلة أجد نفسي مضطرا للاعتراف بحقيقتين تقفان وراء الحالتين معا هنا وهناك..

الحقيقة الأولى تتجلى في كون الديموقراطية الغربية هي مجموع حصيلة ما قدمته الفلسفة السياسية الغربية.. أو هي تجميع لأنبل ما قدمته هذه الفلسفة من طروحات فلاسفة عصر الأنوار الكبار من أمثال جان جاك روسو وجان لوك وهوبز وسبينوزا وغيرهم من أساتذتهم وتلاميذهم الذين رفعوا أصواتهم عاليا في وجه مسلمات قيم أنظمة الحكم التي تستمد شرعيتها من الجاهز من النظريات والأحكام الفقهية اللاهوتية التي قدمت كل مبررات شرعنة الحق الإلهي للإمساك بزمام السلط الدينية والتاريخية…

أي أن الديموقراطية الغربية شقت طريقها كمشروع بديل ثوري وجذري لمشاريع فكرية سابقة عليها لم تكن استمرارا لها ولا تأويلا لمضامينها ولا تجديدا لإيديولوجيتها بما يتلاءم والتحولات التي فرضت نفسها بفعل التطور الطبيعي للأشياء…

بمعنى آخر كانت الديموقراطية الغربية إعلانا لبداية تحول تقني وأولياتي لمختلف الأجهزة العقلية المناط بها تغيير التفكير في اتجاهات تقطع مع الماضي قطعا نهائيا لا غبار عليه من أنواع الغبار والمساحيق التي تحتفظ تحت مسحتها بشيء من جمال الماضي وبريقه المزعوم تحت لمعان ألوانها الجديدة والمتجددة..

لقد أتت الديموقراطية الغربية بآليات جديدة لضبط مسار السلطة وفي مقدمتها الانتخابات التي لا ذكر لها في الإنجيل، كما أتت بمؤسسة البرلمان والمجالس المحلية وغيرها من الآليات المؤسساتية التي لا نعثر لها على مرادفات جامدة أو مشتقة في الكتب المقدسة بقدر ما نجد لها حضورها اللامع في أدبيات فلاسفة التغيير الذين تحملوا عناء التفكير في الخلاص الأرضي النهائي للبشرية من بطش طغيان الحمولة الثقافية لتاريخ عنيد في وجه كل طموح نحو التغيير..

(يتبع)

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقا

أعلمني عن
‫wpDiscuz