الرئيسية » عين حرة »

حكاية مع أطفال الشوارع: عذرا منك يا صبي

في صباح هذا اليوم، جلست في مقهى المدينة، وبينما أنا جالس أحتسي قهوتي المفضلة وأتصفح جريدتي أتفاجأ باقتراب طفل مني ويتقدم إلى جانبي بدموع أنين، فدعوته لتناول ما يريد، وبعد برهة من الزمن اندفعت وسألته: “ماذا يبكيك يا بني؟ من تكون، ما اسمك؟ هويتك… وما حاجتك؟” و بعد صمت طويل، أخذ نفسا عميقا يتخلله شهيق وزفير ليجيبني: “سجل لديك…

أنا صبي من صِبية هذه المدينة.. أنا الهارب من يد أم باعت كبدها.. أنا الهارب من يد امرأة ليست كباقي الأمهات.. هارب ممن اشترت براءة هذا الصبي لتطلب به التشدق عليها بين شوارع هذه المدينة..

اسمي اليتيم من أب مجهول وأم معلومة.. أنا من يتمتني الأقدار.. أنا الغريب في مدينتي.. أنا من طرقت الأبواب.. أنا الذى جعلت من القمامة غذاء.. ومن البرد والشتاء فراشا.. ومن الزوايا مسكنا.. والتجأت إلى رب يحميني بعد أن تخلى عني بنو البشر..

أنا من أجهل بطاقة هويتي.. أنا من اغتصبت كرامتي من قبل مسئولي مدينتي..”

وبعد ذلك شدتني الحيرة، وارتعش جسدي.. واندفعت مقاطعا اياه: “وما هي طلباتك يا صبي؟” فتمتم وتنهد وقال: “طلبي.. طلبي.. طلبي؟.. سجل لديك…

أجبني يا مواطني الجليل أين مسئولو أهل جماعتي وإقليمي وعمالتي؟ أين مجتمعي المدني؟ فإني أوصيك أن تصف لهم دموعي إن صادفتهم طبعا.. وقل لهم أن هذه الدموع ليست قطرات بل هي ڪلمات.. لكن من الصعب جدا أن تجد شخصا منهم يقرأ ويفهم هذه الڪلمات..”

وبعد حين لملم الصبي أغراضه واستأذن بالانصراف والحيرة تشدني حول مصيره، وسألته: أين أنت ذاهب يا بني؟” ابتسم ابتسامة ليست كباقي الابتسامات، وأجاب بعفوية: “أليس خالقي هو الذي يحميني؟” قلت له نعم، فقال: “إذن فوضت أمري إليه ليدبر أمري وتوكلت عليه..” فقلت له نعم الوكيل، ولم أجد تبريرا غير قولي له: “عذرا منك يا بني، أساءت إليك القلوب والعقول التي تسبح للمال بكرة وأصيلة، وتقول للدرهم إياك نعبد وإياك نستعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم رب العرش العظيم الذي يمهل ولا يهمل..”

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقا

أعلمني عن
‫wpDiscuz