الرئيسية » عين حرة »

حكيم وفاتن

عدت إليه جاثيا على ركبتي، والدموع تشق دربها على خدي بحرارة تكوي، في عينيه بدوت شاحبا وفي أحداق عيني استوطن يأسي، وأنا أمسك بيديه ارتعشت يدي. حاول رفعي لكن ركبتاي أبتا أن تطيقا وزري، بصوت مبحوح لجسد مجروح استنجدت به، تضرعت إليه لكي يعود. أخبرته أني كالأرملة لطمت على فقدانه خدي، كان ينظر إلي بالأنفة التي لا تفارقه بالعز الذي يصحبه وبالبأس الذي يسكنه. لم يسألني عن حالي فهو أدرى به، وأنا في الأرض أشعت أغبر لم ينحط لقَدْري، فتساميه هو ما كان دوما يرفعني. أخبرته أني منذ أن صددت عن سماعه انقلب حالي، فلقد همت وتهت في الطرقات واستنشقت الكآبة وتجرعت من كأس الألم، وانزويت في حضن الظلام ألتحف ضياعي، يؤنسني تعاقب الصور.

للحظة استعذب عذابي وراقه شوقي إليه فأمعن في إذلالي. فجأة رفع وجهي وتلاقت عيناي بعينيه، وبشكيمة طفق “حكيم”، وهذا لقبه، يحاسبني وانهمرت أسئلته كضرب سياط. ألم أقل لك…؟

على منوال هذا السؤال وعلى قدر ندمي، صاغ الكثير الكثير. وأخبرني أن علتي كانت وستبقى تلك الحسناء. كان جوابي أن طأطأت رأسي. وبعد وقت غير يسير كف عن جلدي، وختم قائلا: إنك فعلا تخيب أملي، وتعبث بكل الفرص، ولم تعتبر يوما من أي درس، صحيح أنك أدمنت التوبة لكن عليك أن تعلم أن حتى معي هناك حدود للصبر.

رفعني من الأرض عزمي، وكففت بيدي دمعي، وعادت البسمة لترتسم على شفتي. وقلت بإقرار: بعد اليوم لا فراق.

منذ تلك اللحظة، وأنا وصديق دربي “حكيم”، وهذا لقبه، نمشي سويا، معه اعتزلت الكثير من عاداتي، وفارقت شخوص اليأس، وما عاد للألم وجود، وعاد للحياة معنى. والفضل لصديق دربي “حكيم” وهذا لقبه.

صارت خطانا واحدة، يشير علي فاعمل، ينبهني إلى زلاتي فأتخطاها. علمني أن الاستقامة صرح عظيم لا بد أن نبنيه، وأن الصلاح طريق شاق وطويل ولا مفر من أن نمشيه.

دام الحال لوقت غير يسير، وكعهدي به، بدأ يتهرب مني، وكأنه أدرك أني تعلمت ولم أحتاج إليه.

وهذه المرة شأنها شأن جميع المرات، لم يكن صائبا، فلا أدري كيف انبعثت الحسناء “فاتن” ـ وهذا لقبهاـ بقربي بل مني، بدا أنها لم تستسغ عودة صحبتي لصديق دربي “حكيم”، وهذا لقبه، وليس اسمه. حاولت الحسناء “فاتن” ـ وهذا لقبهاـ أن تداري حنقها بأن تستملني كعادتها دوما، بعبثها بشعرها الحرير المنسدل على جيدها كشلال، تحاول أن تحيك منه حبال قيدي.

تملت وجهي بإغواء وأنا سارح أسبح في بحر عينيها. عيناها! آه من عينيها! عيناها عين نبع لغواية لا ينضب.

الحسناء مرة أخرى شدت عقلي، ولسذاجتي وكدأبي استسلمت لأمرها ومددت يدي أتحسسها، فألفيتها عذراء كما ألفتها، وهذا سلاحها الذي يفتك بي، فمهما عث فيها فسادا فعذريتها ليست إلى زوال.

طوقتني بذراعها، ثم ارتميت بجسدي التواق إليها وبنشوة ذبت فيها. متعطشا جلت على خدها ابتغي ماءها، لثمت عينيها وتعلقت بأهدابها، وفي عتمة شعرها تواريت فرارا من أي ضياء.

وبعد أن طالت عشرتي معها وهي نديمتي التي لا تصفو لي سماء إلا بها، لا أدري كيف غيض أنفس ما فيها، فما عادت تستهويني أنفاسها، وما عدت أجد لها طيبا ولا طعما، وكنت أستغرب وأتساءل: لم ما عدت أطيقها؟ أين تبخر طيبها؟ أين غاب طعمها؟ هل ارتويت كفاية من شفاهها؟ هل ارتشفت كل رحيقها؟

صارت تدعوني فلا أجيب، تشدو أو تهمس أو تصرخ فلا أسمع، بدأت نفسي تلفظها، وفي الأخير لم أجد بدا من بينها، وصرت أخيرا وحيدا، وعدت إلى حال أعرفه: هائما تائها في الطرقات، كئيبا متألما ضائعا.

حاورت نفسي كالمجنون، ما الحل؟ أجبتها بإقرار: علي أن أعود لصديق دربي “حكيم” وهذا لقبه، لعله يبلسم جراحي كما يفعل دوما. لكن بأي حال سأعود؟ آه، طبعا سأعود جاثيا على ركبتي، والدموع تشق دربها على خدي بحرارة تكوي، وسأبدو حتما في عينيه شاحبا وفي أحداق عيني سيستوطن يأسي…

وكذلك كان.

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقا

أعلمني عن
‫wpDiscuz