الرئيسية » عين حرة »

حوار بين المقاطع والمشارك: من يقنع الآخر؟

المشارك: قل لي سيدي المحترم لماذا تقاطع؟ هل المقاطعة في رأيك تمثل اليوم طرحا جديدا للمضي قدما ببلدنا؟ هل المقاطعة ستستطيع فعلا أن تغير من الفساد الذي نعيشه على أرض الواقع شيئا؟ ألا يمثل هذا الأمر إخلالا بواجبك نحو وطنك؟ صراحة لا أفهمك، وأجدك في بعض الأحيان ضبابيا وغامضا في طرحك المقطع للسياسة (مع كل احترامي لك).

المقاطع: ههههه (ابتسامة بريئة)، أولا أنا سعيد جدا لقبولك الحوار معي على أساس أني مواطن مغربي مثلك، وعدم رفضي مسبقا وتخويني أو نعتي بالشيطنة كما يفعل بعض الجهلة… ثانيا، وكمنطلق لحوارنا، يجب أن تعلم أنه ليس من الأساس أن نتفق على شيء واحد، بل المهم والأهم هو أن نتواصل وفي الأخير لكل رأيه، يغيره أم يتمسك به فذاك شأنه… ثالثا، وبخصوص الواجب الوطني، اعلم سيدي المشارك، أنه كما أن المشاركة حق دستوري للمواطن، فكذلك المقاطعة حق من حقوقي وإن لم ينص عليها الدستور، فكما تعلم هناك النص الدستوري وهناك روحه ومعناه ومقصده، ولا أدل على ذلك خروج رئيس الدولة المغربية في آخر خطاب له واعترافه الصريح بالمقاطع على أساس المساواة بينه وبين المشارك في مسألة المواطنة (أنا ملك الذين لا يصوتون)، إذن فمسألة الشرعية السياسية للمقاطع محسومة، وعليه فمن الأفضل أن لا نزايد على بعضنا البعض في مسألة المواطنة وحب الوطن… رابعا، بخصوص مقاطعة السياسة، فيجب أن تعلم أني أقاطع السياسة الانتخابية وليس السياسة، السياسة هي كل ما يمارس، أنا عندما أقاطع فإني أنتج بذلك فعلا سياسيا على أرض الواقع، وبالتالي فأنا أمارس السياسة بمقاطعتي، أما مقاطعة السياسة الانتخابية فذاك موضوع آخر، فالانتخابات لم تكن ولن تكون أبدا جوهر الديمقراطية… خامسا، وفي ما يخص الضبابية في التفكير، فببساطة لأنه لم تتح لي الفرصة بكل حرية لأوضح موقفي وأشرح الأسس التي أعتمدها في هذا الأمر.. لكن قلي أولا سيدي المشارك، وأنا الذي أراك سعيدا بشوشا بموقفك،… لماذا تشارك أنت في هذه اللعبة؟

المشارك: كيف لماذا أشارك أنا؟

المقاطع: هههه، أظن أن سؤالي واضح سيدي المشارك المحترم، كيف ستساهم المشاركة في هذه اللعبة السياسية (والتي قد أقول عنها أنها محبوكة مسبقا) بالإقلاع والرقي ببلدنا العزيز، وتغيير ما هو مغلق في الأساس… بمعنى آخر، وخصوصا بعد دستور 2011، (لأنك أكيد ستتكلم عليه)، ماذا يمكنك أن تقول عن المكانة الدستورية الجديدة للانتخابات، هل ظلت العملية الانتخابية في الهامش أم انتقلت إلى مركز الفعل السياسي الحقيقي؟ وإذا كان الاختيار الديمقراطي أحد ثوابت نص دستور 2011 فهل أقر هذا الدستور من الآليات والضمانات ما يسهم فعلا في تحقيق انتخابات ديمقراطية؟… وهل ستنضبط الممارسة الانتخابية لما وضعه الدستور من مبادئ مؤطرة للانتخابات؟

المشارك: نعم نعم بالفعل، يمكن أن أقول لك إننا في مرحلة جديدة.. مرحلة متميزة بدستور يختلف عن الدساتير السابقة، مرحلة تم فيها إسباغ التمثيلية والفعالية والمصداقية على الانتخابات التشريعية، من خلال إلزام الملك بتعيين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب (الفصل 47)… أنت تعلم هذا أليس كذلك؟

المقاطع: جميل، أكمل أنا أنصت وصراحة أتمنى أن تقنعني.. تابع سيدي المشارك، ماذا آخر عن هذه المرحلة التي قيل عنها إنها ”تاريخية”… زِيدْ.

المشارك: أيضا، لا تنسى تنويع سلطات البرلمان وتوسيع مجال القانون، وضمان مجموعة من الحقوق للمعارضة البرلمانية (الفصل 10)، وتجريد كل من تخلى عن انتمائه السياسي (الفصل 61)، وإضافة تحديد مبادئ التقسيم الانتخابي، كما جعل الدستور من الانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة أساس مشروعية التمثيل الديمقراطي (الفصل 11)… وبالتالي فالدستور قد لامس الديمقراطية كثيرا سيدي.. وعليه أرى أن المشاركة ضرورية من خلال هذه المعطيات.

المقاطع: جميل جدا ما قلته سيدي.. لكن اسمح لي أن أناقش معك هذه الأفكار بالتتابع لأهميتها.

المشارك: تفضل أنا أنصت..

المقاطع: أولا عندما نتكلم عن مفهوم الدستوري الديمقراطي، فهذا لا يعني أن نقارن دستور 2011 بالدساتير السابقة غير الديمقراطية أصلا، وإنما يجب بحث علاقة دستور 2011 بمفهوم الدستور الديمقراطي كما هو متعارف عليه.. فهل يعني حسب ما ذكرت أنت، أن المغرب كسب رهان الدستور الديمقراطي، الذي هو الشرط الأساسي، حسب رأيي، لتحقيق انتخابات ديمقراطية؟.. اعلم سيدي المحترم وبكل بساطة أن الدستور الديمقراطي هو ذلك الدستور الذي تكون فيه السيادة للشعب… وبكل تأكيد امتلاك الشعب للسيادة الحقيقية وممارسته لها، تنتج عنه مجموعة من الحقوق، ويتطلب العديد من الضمانات والآليات الديمقراطية… فعلا نص دستور 2011 في الفقرة الأولى من الفصل الثاني على أن ”السيادة للأمة، تمارسها مباشرة بالاستفتاء، وبصفة غير مباشرة بواسطة ممثليها”، كذلك أن الفصل 42 ينص على أن ”الملك رئيس الدولة وممثلها الأسمى”… لكن السؤال المهم سيدي المشارك هو: هل يعني هذا أن التمثيل السياسي للأمة أصبح مقرونا بشكل كامل بالانتخابات؟.. الجواب سيدي نجده في هذا الدستور الملغوم، وبالأساس في الفقرة الثانية من الفصل الثاني، والتي تقول ”تختار الأمة ممثليها في المؤسسات المنتخبة بالاقتراع الحر…”

المشارك: ماذا يعني هذا يا سيدي؟

المقاطع: حسب هذه الفقرة ”تختار الأمة ممثليها في المؤسسات المنتخبة بالاقتراع الحر…”، نفهم أن هناك ممثلين للأمة منتخبين وآخرين غير منتخبين، وإلا كان ينبغي أن يكون نص الفقرة على الشكل التالي ”تختار الأمة ممثليها بالاقتراع الحر…”. السؤال الآن سيدي هو: من هم ممثلو الأمة الذين لا يتم اختيارهم عن طريق الاقتراع ويحكمون؟… ببساطة هم ينحصرون في المؤسسة الملكية من مستشارين وأعوان وخدام وووووو…. فأين تمثيلية الأمة من هذا، ولهذا لا أتفاجأ عندما أسمع أن وزيرا يسمع كلام المستشار الملكي أكثر من كلام رئيس الحكومة… ومن جهة أخرى وردا على الفصل 42 الذي يقول بأن ”الملك أصبح ممثل الدولة” بدل ”ممثل الأمة”، أقول، أنه رغم حذف عبارة ”الممثل الأسمى للأمة”، فإن ما تضمنه الفصل 41 والفصل 42 من أوصاف للملك، يؤكد حفاظ دستور 2011 على قاعدة جوهرية من قواعد الدستور العميق بالمغرب، ألا وهي ”سمو وهيمنة المؤسسة الملكية على كل المؤسسات الدستورية”، وبالتالي فإنها تظل محتكرة ”للتمثيل السياسي الأسمى” ولعل هذا ما يبرز هذا الحفاظ على السلطات الواسعة للملك، بالإضافة إلى سلط جديدة إليه في دستور 2011… ماذا يعني كل هذا، إذا كانت الانتخابات الحرة النزيهة هي أساس مشروعية التمثيل السياسي الديمقراطي، حسب نص دستور 2011، فإنه، للأسف، هذه المشروعية تقع من حيث الجوهر، تحت مشروعية أعلى هي مشروعية التمثيل الذي تستوجب صفة رئيس الدولة كممثل أسمى، مما يعني استمرار مأزق فعالية الانتخابات بالمنظور الديمقراطي.. وبالتالي، سيدي المشارك المحترم، مسألة التمثيلية، التي تعتبر جوهر الدستور الديمقراطي، في دستور 2011 تسلك فجا آخر مقارنة مع مثيلتها في الدستور الديمقراطي..

المشارك: جميل سيدي المقاطع ملاحظة مهمة، وماذا عن معطى رئاسة الحكومة، ألا تعتبر هذا طرحا جديدا ومهما بدل ”رئيس الوزراء”، خاصة ما أناطه الدستور من اختصاصات جديدة؟ كالتعيين في بعض المناصب المهمة، وأصبح لنا مجلس حكومي يتداول في مجموعة من المسائل…؟ بالإضافة إلى النص على التشبث بالديمقراطية وحقوق الإنسان وبعد أن جعل فصله الأول الاختيار الديمقراطي أحد ثوابت الجامعة التي تستند عليه الأمة في حياتها العامة؟

المقاطع: ماذا أقول لك يا سيدي المحترم، أنت تجيب نفسك، أنت قلت أصبح لدينا ”مجلسا حكوميا يتداول في…”، وهذا هو المشكل، فالمجلس الحكومي بموجب الفصل 92 من الدستور، تحت رئاسة رئيس الحكومة يتداول فقط ولا يقرر أبدا سيدي، إنما القرار النهائي يرجع لمجلس الوزراء الذي يترأسه الملك (الفصل 49)، وعندما أقول الملك فهذا يعني أيضا مستشاروه (الفئة غير المنتخبة) الذين يحضرون المجلس دون أن ينص الدستور على ذلك، وأنت تعلم السلطة النافذة للمستشار، ولن أذكرك بما وقع مؤخرا سيدي…

المشارك: ولكن سيدي المقاطع ألا تؤمن بمبدأ التدرج، وأن الديمقراطية هي فلسفة وثقافة قبل أن تكون ممارسة، وبالتالي من الطبيعي أن نمر بهذه المراحل التأسيسية للانتقال الديمقراطي الحقيقي، وهل بمقاطعتك ستقطع الطريق على الفساد…

المقاطع: ولماذا أقبل منك هذا الكلام ولا تقبله مني أنا المقاطع؟

المشارك: كيف؟ لم أفهم..

المقاطع: ببساطة حتى أنا عندما أقاطع أومن بالتدرج والتأسيس التدريجي للديمقراطية التي تنبني بالأساس على الوعي وبناء ثقافة جديدة، إذا كنا اليوم عشرة، فغدا قد نصبح 100 ومن بعد 1000 وهكذا سنضغط لنحصل على قواعد وأسس قانونية سليمة ومقبولة وأكثر ديمقراطية، وأكثر فرص للمشاركة وتعطي الصلاحيات أكثر، وبالتالي يكون الممثل ”حقيقيا” وليس يمثل التمثيل فقط.. أما بخصوص كيف للمقاطعة أن تقطع دابر الفساد، أقول لك ببساطة، هل بمشاركتك السابقة أنت قطعت دابر الفساد، التجارب أمامك سيدي، فأنت تعلم ماذا وقع وماذا يقع، فلا نكذب على أنفسنا…

المشارك: سعدت كثيرا بالحديث معك، إلا إني سيدي أومن بهذا الطريق لما فيه من ثغرات قانونية وآمل أن نستطيع أن نغير من الداخل، ما لم تستطيعوا عليه من الخارج..

المقاطع: وأنا أيضا سعدت كثيرا بك، وأقول لك في الختام، إن توفر دستور ديمقراطي شرط أساس لتحقيق انتخابات ديمقراطية، لكنه ليس شرطا وحيدا، إذ لابد أن تنضاف إليه شروط أخرى، من أهمها ديمقراطية الفاعلين السياسيين، وديمقراطية الثقافة السياسية السائدة. ويبدو أن المغرب لازال يعاني من غياب هذه الشروط، مما يعني غياب ممارسة انتخابات ديمقراطية.. تحياتي وبوركت سيدي.

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقا

أعلمني عن
‫wpDiscuz