الرئيسية » عين حرة »

حي على الاجتهاد

نعم إنهم فقهاء، وإنهن فقيهات، عفوا، إنهن فقيهات وإنهم فقهاء، فلا يجوز مخالفة قانون: سيداتي، آنساتي و.. سادتي.. وهذا نفسه تكرم، أما الأولى فهو: سيداتي، آنساتي، رجالي، تطبيقا لقانون: بطولة الرجال/بطولة السيدات، حلاقة الرجال/حلاقة السيدات، مرحاض الرجال/مرحاض السيدات… وأحيانا يقوم الترميز مقام الأبجدية، وهذا بدوره تقدم، لكون الرمز كوني ولا يخضع لاختلاف اللغة. فمرحاض النساء، مثلا، معروف ب”سيدته” العصرية ذات القصة الأنيقة حد الأذنين، والجبة القصيرة حد الركبتين، الملصقة فوق بابه. وهذا الرسم أو حتى الصورة، هو النموذج المقدم في كراريس التلاميذ، وملصقات الإشهار التجاري والإداري على حد سواء، وشاشة التلفاز… إلا في الشارع، فإننا نجد على الأقل النصف من النماذج النسائية ذات الشعر المغطى والجلباب الطويل، في مقابل النصف الآخر الأليف..

فقط مادام الأمر يتعلق بالمظهر والزي، وبعيدا عن التشريعات السماوية التي يذعن لها البعض ولا يفعل آخرون، فإنه لا بأس من وضع سؤال يبدو أنه يكتسب بعضا من مشروعية: ما هو معيار صلاح وصواب وبالتالي قبول هذا الزي؟ ومن له صلاحية تحديد تلك المميزات والخصائص حتى يتم التوافق على قبولها؟ بعبارات أشد وضوحا وأكثر اختصارا: ما هو اللباس المقبول؟ ومن يحدده؟ لأنه قطعا يوجد من ينادي بالعراء، وهذا من حقه طبعا مادام الأمر لا يعارض نصا، ولا يناقض قانونا متفقا عليه. فإذا كان الأمر يتعلق بالهوى فلكل هواه، ولا يجوز إجبار شخص على اتباع هوى شخص آخر. أما الجمل الفضفاضة: الآداب العامة، والحياء العام… فهذه مسائل نسبية غير علمية وغير دقيقة، وبالتالي لا يمكن الاتفاق على معنى واحد موحد لها، لأن عتبة حياء أحدهم يختلف كلية عن عتبة الآخر.. إذن فالحاجة إلى مرجعية مقبولة ومتوافق عليها ضرورية، يجب تحديدها.

نعود إلى الموضوع، لماذا إذن لا يناوبون بين هذه النماذج المتحكم فيها بالريشة أو الكاميرا –العصرية- وبين النماذج الحية –التقليدية-؟ ربما، وأقول ربما، ليوهموا الناس بسيادة نموذجهم (المرسوم أو المصور) في الساحة، حتى وإن كذّبهم النموذج المتحرك، وكذا للتطبيع والتسويق لهذا النوذج. أما بالنسبة للكراريس، فيمكن أن يكون المقصود هو ترسيخ الوضعية المثالية في ذهن الناشئة منذ الصغر، فذلك كالنقش على الحجر. وفي كل الأحوال هذه مجرد ظنون، ونعوذ بالله من سوء الظن المورِّث للإثم!!

أما إذا عدنا لمسألة السيدات والرجال، فمن جهة لا يمكن التفريط فيما جاء من بلاد الأنوار، وعدم الأخذ بأسباب الرقي والازدهار، إلا ما تعلق منها بالعلوم التقنية والعدالة الاجتماعية والحرية السياسية… ومن جهة أخرى فإن هذه “المخلوقة” يجب جبر خاطرها والمبالغة في مداعبتها والتصنع في معاملتها وكأنها صبي، أو مريض، أو كائن غير سوي، وإلا فلماذا التمييز في عز المطالبة بالمساواة؟ ألا يدعو علماء النفس المرضي أن يعامَل ذوو الاحتياجات الخاصة معاملة خاصة؟ أما المساواة(وهي هنا بمعنى المطابقة المطلقة دون أخذ أي فارق في الاعتبار لا من حيث التكوين ولا من حيث الوظيفة الملائمة لهذا التكوين) فهي ممكنة ومطلوبة وضرورية رغم الفوارق الفزيولوجية والعاطفية والنفسية، فهي مسألة وجود، غير أنها بالمقاس! حيث أن السيدة في قطاع التعليم مثلا(لا حصرا) تعطى وضعية تفضيلية في الحركة الانتقالية بنقاط الامتياز في العزوبة والزواج والطلاق والترمل والبعث والنشور… وللباقي الباقي! وهذه مسائل مسطرية ممؤسسة مرسمة، أما الواقع غير المقنن فلن أتحدث عنه هنا.

العجيب(ولو أنني أستعمل هذه الكلمة كثيرا، ولي عذري فما أكثر العجب في هذه البلدان هذه الأزمان) أن المساواة هذه بالكوطة هي أيضا: ففي الترشيح للانتخابات مثلا(لا حصرا أيضا) نفتح لائحة مشتركة(بين النساء والرجال) حتى ولو اكتسحتها النساء بمفردهن، ونفتح ثانية إلزامية للنساء فقط دون غيرهن! المساواة!!!…

المصدِّرون يحثون على المساواة وعلى الرفع من تمثيل ساحراتهم في مراكز القيادة في كل الساحات… ولكن عفوا، كم تمثل “السيدات” عندهم في مراكز قرارهم العليا(و.م.أ، إسرائيل، أوربا، اليابان…)؟

عندما تقومون بالإحصائيات راسلوني على العنوان: داري، فوق الأرض، الدنيا، هذا إذا كان ذلك داخل أجل معقول، وإلا فيرجى استبدال العنوان بالعنوان المعلوم..

لماذا لا نجد عندهم قسيسات على رؤوس قداساتهم ليوحوا إلى “سيداتنا” باعتلاء المنابر في الجمَع ودخول المحاريب في الجماعات؟

نعم سيداتي، آنساتي وسادتي، هذا خطاب المتنورين، ف”السيدات” أولا في المخاطبة وفي الجلوس وفي المشي… وإلا فكيف يمكننا قياس أبعاد مؤخراتهن طولا وعرضا؟ ولا تقل إن سيدنا موسى، عليه السلام، كان محقا عندما أرجع ابنة سيدنا شعيب، عليه السلام، وراءه وهما في طريقهما إلى منزل أبيها(رغم أنه لا يعرف ذلك المسار)، فاستحق بذلك منها لقب الأمين.

يقول قائل منهم: أنا أعرف مصدر عقدتكم من الخطاب، إنها: “إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ…” ومثيلاتها.. هذا خطاب كان قبل 14 قرنا، وقبل عصور الأنوار الغربية والعربية على حد سواء، فلم الرجعية؟

ثم إن قانون الطبيعة يقتضى ضرورة التراتبية ليستوي النظام وتستمر الحياة، ولهذا أنشئت المناصب الهرمية. وبالتالي لا بد من تفضيل وتفاضل، ولذلك لا مناص من وضع مقياس لهذا التفاضل. وإياك أن تتبجح لي بما تسمونه “قوامة”. فنحن أيضا لنا “قوا…”..

عودة إلى العنوان، تدخّل “السيدات” الفقيهات والرجال الفقهاء يكون في كل مناحي الحياة الشرعية، ولِم لا؟ فالدين ليس حكرا على أحد. فهل سنتحدث عن تكوين الذرة، أو عن تهيئة حاسوب، أو عن عقوبة اللصوص، أو عن نقد الأسلوب الروائي لأحدهم، أو عن تحليل لوحات معرض فني، أو عن… حتى يستلزم الأمر معرفة وتخصصا وتمكنا؟ إن الأمر لا يتعدى الإدلاء برأي في “التراث” من حق أي منا أن يقوم به!!!

وفي تدخل من هذه التدخلات ظهرت الدكتورة في علم النفس(لا داعي لذكر اسمها ولا مؤلَّفها)، مطلعة ومحقة عندما خاضت في أدبيات الجماع ومقدماته. لقد أثلجت صدر كل من له غيرة على “التراث”، وأفحمت أولئك الذين ادعوا احتكار المعرفة في هذا المكون للشخصية، غير أنه لا يسلم الإنسان من ألسنة الناس، إذ عقب عليها بعضهم: إن ما قلتِه موجود حقا في “تراثنا”، وبالتالي لا يجب أن نخجل من الخوض في هذا الميدان.. ولكن يا “فقيهتي”، هذه الآداب مندوبة، أي سنة وليست فرضا، فلماذا انتقيت هذه السنة وأقمت العالم ولم تقعديه لحد الأن لعدم تطبيقها، مما أفسح المجال لسيطرة الخجل، وغياب التربية الجنسية التي أصبحت من الطابوهات الممنوع الخوض فيها -كما تدعين-… ولم تلتفتي في نفس المرجع، إلى فرائض وواجبات عديدة وكبرى و”ضخمة”… تهم جوانب أخرى عديدة من حياتكِ وحياة الناس، كمظهرك مثلا(لا حصرا مرة أخرى)؟ أم إنها موضة الانتقائية؟ فقبل سنوات معدودة كنتم ترفضون الأفيون كله، وتتبرؤون من الرجعية والظلامية من حيث مبدأ الغيب، أما الآن وقد أحصرتم، فها أنتم تنتقون ما يدعم موقفكم الانتهازي لتتبرؤوا منه في الموقف المقبل، وربما تنتقون ما قد تكونون تبرأتم منه في الموقف الأسبق لتتبرؤوا مما انتقيتم آنذاك، وهكذا…

وعلى أي، لا غرابة، فكبراؤكم ينمِّطون الاقتباس حسب ما تستدعيه خطاباتهم، ولا يجدون حرجا في ذلك ما داموا يجدون الفصحاء المستنبطين أصحاب “التخريجة” تحت الطلب 24 ساعة على 24 ساعة طيلة أيام الأسبوع. فالإسلام لم يعد سوى طقوس كنسية يأمر أتباعه بإدارة الخد الأيمن لمن صفعهم على الخد الأيسر، في وداعة وحنان لمن أراد أن يسكن جنات عدن. أما القوة والعزة والجهاد والكرامة و… فآياتها إما موضوعة(رغم تعهد رب العزة بحفظ كتابه)، أو منسوخة، أو على الأقل غير مرئية حتى بأدق المجاهر الإلكترونية!

هذا كان قول من لا يسلم الإنسان من لسانهم، أما نحن، فعزاؤنا وخطابكم واحد: هؤلاء الناس يعقدون كل شيء ويتطرفون في كل موقف ولا يعرفون للوسطية ولا للاعتدال وجودا.

يقاطعونني(هؤلاء الذين لا يسلم الإنسان من لسانهم) أي تطرف وأي وسطية يا هذا؟ إنه إذا جمعنا بين اللغة والهندسة، يكون الوضع كالتالي: تطرفَ أي احتل طرف الحيز الفضائي، وتوسط احتل وسطه. ولكي نحدد مكان التموضع هل هو الطرف أم الوسط، فيجب أن نحدد الحيز وأبعاده أولا. ومن يحدد هذا؟ المهندس المعماري؟ أم عالم الفيزياء النووية؟ أم عالم الفضاء والمجرات؟ أم عالم الخلايا والوراثة؟ أم… نعم لكل واحد من هؤلاء آليات قياس أبعاد الكائن الذي يشتغل عليه، ولو بالتقريب، وربما يكون لهم، أو لأحدهم على الأقل، آليات قياس هذا الموجود(الشرع)، فيمكنه بالتالي أخذ تلك القياسات، فلا بأس إذن، ولكن –في كل الأحوال- يجب أن يمتلك تلك الآليات، على الأقل كمهنة وتخصص مثلما سبق.

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقا

أعلمني عن
‫wpDiscuz