الرئيسية » عين حرة »

ديمقراطية الرأي

إذا كانت الديمقراطية في معناها العام تعبر عن مجموع التقنيات والوسائل التي تهدف إلى تنظيم التعايش السلمي بين السلطة والحرية في إطار الدولة، حيث تعتبر الديمقراطية تبعا لذلك وسيلة تؤدي إلى إقامة نوع من الحوار بين القابضين على الحكم والمحكومين لخدمة متطلبات النظام والحرية، وكذلك تكريس نوع من المعارضة المقبولة والمشروعة للسلطة، فانه يمكن القول، اليوم، وبعد استقالة وإعفاء وزراء في الحكومة وتعيين وزراء جدد، وقبله قضية البيدوفيل دانييل – المواطن الاسباني مغتصب الأطفال المغاربة – وحادثة ”الكراطة داخل ملعب مولاي عبدالله” واحتفال ”الشكولاتة في الوزارة”…، بأن الرأي العام، من صحافة وفايسبوك ومواقع النيت وتويتر، أصبح قادرا على المساهمة والمشاركة في إدارة ومراقبة الشؤون العامة وعمل المؤسسات، من خلال تكوين رأي حول القضايا العامة وبالتالي تعزيز موقعه تجاه السلطة مما يجعله جزءا منها.

و يستتبع أن الديمقراطية لا يمكن أن تزدهر في أي مناخ كان، إذ أنها تفترض توفر عدد من العوامل على رأسها مسألة الثقة بالفرد الذي ارتقى إلى مرتبة المواطن، وبالتالي فان السلطات العليا في البلاد ملزمة بالتفاعل أكثر فأكثر مع ردود فعل الرأي العام بمختلف أشكاله والأخذ بعين الاعتبار مشاعر المواطنين وآرائهم حول ممارسة السلط.

بالمقابل، لا تكفي الإشارة إلى صفة الديمقراطية في اسم الدولة، أو في المواد الدستورية، لتصير الديمقراطية حقيقة واقعية. ولا يكفي القول أننا مع ”حكم الشعب”، تدليلا على تمسكنا بالديمقراطية. إن الديمقراطية ممارسة قبل أن تكون نصوصا دستورية أو قانونية، أو شعارات سياسية مرفوعة بالمناسبات الجماهيرية العامة.

اليوم ثمة معايير عالمية لممارسة الديمقراطية، تكاد تجتمع عليها الأفكار والنظريات. فبالإضافة إلى تداول السلطة بالطرق السلمية، ومحاولة إنتاج قيادات سياسية جديدة، يحضر عامل احترام الرأي العام وتقديره، بمختل أشكاله، كأحد محددات نجاح العملية الديمقراطية. ففي المجتمعات الأكثر ديمقراطية يمثل الرأي العام مصدراً هاماً في اختيارات السلطة وتوجهاتها، حيث أن المشرع يستلهم القوانين والتشريعات من توجهات الرأي العام، كما أن اهتمام صانع القرار بوسائل الاتصال ينطلق من إيمانه بأنها تمثل أحد المصادر الرئيسية لنقل المعلومات التي يتطلبها أي قرار سياسي عند التفكير في اتخاذه سواء كان خارجياً أو داخلياً.

إن الرأي العام يصنع السياسة العامة، كما أنه ليس بعيداً عنها، فاتجاهاته وتوقعات ردود أفعاله، ونظرته لكيفية مواجهة القضايا الأساسية في المجتمع تحدد، من جهة، الإطار العام الذي يتحرك داخله صانعو القرار، ومن جهة أخرى، في ما يمكن أن يضعه الرأي العام من حدود على القرارات الحكومية وعلى صنع السياسة العامة، وإحجام المسؤوليين عادة عن اتخاذ موقف أو قرار يتوقعون أن يواجه بمعارضة شعبية قوية.

و انطلاقا من كون أن الثقافة السياسية تؤصل لنوع البناء الديمقراطي داخل الدولة، فانه اليوم ومع غياب خطاب سياسي متقدم يحتوي على مضامين مقنعة، وعدم القدرة على استطلاع واستنطاق الواقع سيؤدي بالأساس إلى انحدار أداء المؤسسات، وهو الشيء الحاصل اليوم، مثلا، بعد تأجيل جلسة المساءلة في مجلس المستشارين لثالث مرة وبالتالي تعطيل عمل مؤسسة دستورية، الشيء الذي يطرح معه مجموعة من التساؤلات لدى الرأي العام حول خلفية هذه المواقف.

و بالتالي فالنخبة السياسية اليوم مطالبة، بالعمل على إعادة النظر في الصورة التي تقدم بها نفسها للإعلام وللرأي العام والتي هي أداة أساسية لتبليغ الخطاب السياسي وخلق الثقة فيه.

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقا

أعلمني عن
‫wpDiscuz