الرئيسية » عين حرة »

ديمقراطية الشموع

إذا كان الرأي العام، من صحافة وفيسبوك ومواقع النت وتويتر، أصبح قادرا على المساهمة والمشاركة في إدارة ومراقبة الشؤون العامة وعمل المؤسسات، من خلال تكوين رأي حول القضايا العامة وبالتالي تعزيز موقعه تجاه السلطة مما يجعله جزءا منها، فإنه اليوم وبعد نزول الشعب الطنجاوي للشوارع حاملا الشموع نكون قد تجاوزنا مرحلة الاختباء وراء الفايس للنزول بكل شجاعة ومسؤولية للشارع.

اليوم ثمة معايير عالمية لممارسة الديمقراطية، تكاد تجتمع عليها الأفكار والنظريات. فبالإضافة إلى تداول السلطة بالطرق السلمية، ومحاولة إنتاج قيادات سياسية جديدة، يحضر عامل احترام الرأي العام وتقديره، بمختلف أشكاله، كأحد محددات نجاح العملية الديمقراطية.

لا ننسى كيف استطاع الرأي العام من قبل الدفع نحو استقالة وإعفاء وزراء في الحكومة وتعيين وزراء جدد، وقبله كيف تفاعل الرأي العام مع قضية البيدوفيل دانييل – المواطن الإسباني مغتصب الأطفال المغاربة – وحادثة ”الكراطة داخل ملعب مولاي عبدالله” واحتفال ”الشكولاتة في الوزارة”…

اليوم عندما ينزل الشعب الطنجاوي للشوارع حاملا الشموع وطالبا السلم والأمان لا يريد سوى المطالبة بحق بسيط من حقوقه الدستورية، حقوق كرسها الدستور الجديد عندما نص في تصديره الذي أصبح جزءا لا يتجرأ من الدستور على ”… مجتمع يتمتع فيه الجميع بالأمن والحرية والكرامة والمساواة وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية ومقومات العيش الكريم…”. الشعب الطنجاوي بشموعه لا يطالب بالعيش في الرفاهية وإنما بكل بساطة العيش بكرامة وبأمان.

لا تكفي، اليوم، الإشارة إلى صفة الديمقراطية في اسم الدولة، أو في المواد الدستورية، لتصير الديمقراطية حقيقة واقعية.. إن الديمقراطية ممارسة وإرادة شعبية قبل أن تكون نصوصا دستورية أو قانونية، أو شعارات سياسية مرفوعة بالمناسبات الجماهيرية العامة كأيام الانتخابات. وبالتالي تصبح السلطات العليا في البلاد ملزمة بالتفاعل أكثر فأكثر مع ردود فعل الرأي العام بمختلف أشكاله والأخذ بعين الاعتبار مشاعر المواطنين وآرائهم حول ما فعلته وما تفعله أمانديس.

في المجتمعات الأكثر ديمقراطية يمثل الرأي العام مصدراً هاماً في اختيارات السلطة وتوجهاتها، حيث أن المشرع يستلهم القوانين والتشريعات من توجهات الرأي العام، كما أن اهتمام صانع القرار بوسائل الاتصال ينطلق من إيمانه بأنها تمثل أحد المصادر الرئيسية لنقل المعلومات التي يتطلبها أي قرار سياسي عند التفكير في اتخاذه سواء كان خارجياً أو داخلياً.

في البلاد الديمقراطية، الرأي العام يصنع السياسة العامة، كما أنه ليس بعيداً عنها، فاتجاهاته وتوقعات ردود أفعاله، ونظرته لكيفية مواجهة القضايا الأساسية في المجتمع تحدد، من جهة، الإطار العام الذي يتحرك داخله صانعو القرار، ومن جهة أخرى، في ما يمكن أن يضعه الرأي العام من حدود على القرارات الحكومية وعلى صنع السياسة العامة، وإحجام المسؤوليين عادة عن اتخاذ موقف أو قرار يتوقعون أن يواجه بمعارضة شعبية قوية.

ديمقراطية ”الشموع” اليوم تمثل مظهرا جديدا من مظاهر ديمقراطية الرأي المتعارف عليها عالميا والتي تمثل جوهر الديمقراطية الشعبية. في هذا السياق، إذا لم يستطع اليوم رئيس الجهة بكل اختصاصاته الجديدة والمتقدمة التدخل لحل هذا المشكل الذي أصبح واقعا من الواجب التعامل معه، فيجب على الشعب الطنجاوي في المرة القادمة أن يمر إلى مرحلة أخرى يطالب فيها رئيس الدولة المغربية الذي يعتبر بموجب الدستور في فصله 42 المسؤول الأول على ”… صيانة الاختيار الديمقراطي وحقوق وحريات المواطنين والمواطنات…”، التدخل لحل المشكل.

في انتظار ذلك نقول للشعب الطنجاوي هنيئا لك بشموعك، هنيئا لك بما حققته من رقي وفهم. ومعا سنواصل الطريق من أجل بناء مجتمع مغربي جديد نعتز به، مجتمع يرفض العنف بكل أشكاله، مجتمع يؤمن بالحوار، مجتمع يؤمن بالوضوح وعدم السرية، مجتمع يرفض الخرافة، مجتمع يرفض الداعشية الفكرية، مجتمع يرفض الوصولية، مجتمع يؤمن بالاحتجاج السلمي الحضاري.

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقا

أعلمني عن
‫wpDiscuz