الرئيسية » عين حرة »

سؤال الشرعية السياسية للمقاطعة الانتخابية بعد الخطاب الملكي

حافظت الملكية على وتيرة تدخلها في المجال السياسي من خلال العديد من الأولويات سواء التي دأبت على استعمالها أو من خلال تجديد أدوات أخرى. في هذا السياق، لا زالت التجربة المغربية تؤكد على أن ”الخطاب الملكي” هو فاعل سياسي بالدرجة الأولى، فمثلا، لا زلنا نتذكر خطاب 3 يناير 2010 الذي أسس فيما بعد للجهوية المتقدمة دستوريا وقانونيا، وأيضا خطاب 9 مارس 2011 الذي رسم وهيكل ووضع الركائز الأساسية للدستور الجديد الموافق ل 2011، يأتي اليوم هذا الخطاب ليضع أمام الفقهاء القانونيين والسياسيين في البلاد إشكالية ”شرعية المقاطعة الانتخابية” وكيفية التعامل معها على أرض الواقع، خصوصا بعد اعتراف رئيس الدولة المغربية بها.

إنه وإلى حدود الخطاب الملكي الأخير، وإلى حدود العبارة ”أنا ملك الذين لا يصوتون” ، كان يعتبر معارضا للنظام المغربي كل من لا يصوت أو يدعو لمقاطعة الانتخابات، أيضا كان يعتبر خارج اللعبة السياسية بدعوى أنه لا جدوى من المقاطعة إذا كان ذلك سيكثر من إمكانية وصول المفسدين إلى سدة التسيير.

اليوم، ومن منطلق الحمولة السياسية للخطاب الملكي في النظام المغربي، حيث يعتبر مؤسسا وموجها للمشهد السياسي في البلاد، ومن إحدى أهم وسائل التدخل غير المباشرة في الحياة العامة خاصة، فإن مسألة الإقرار بحق المقاطعة ليست بالمسألة العادية آو العابرة خصوصا في هذه المرحلة والبلاد مقبلة على الولاية التشريعية الثانية بعد دستور 2011.

اليوم، عندما يصرح رئيس الدولة المغربية وممثلها الأسمي والساهر على صيانة الاختيار الديمقراطي، كما يشير إلى ذلك الدستور المغربي في فصله 42، في خطابه الأخير بأنه ”لا يصوت” وأنه ”ملك للذين لا يصوتون”، وبالتالي الاعتراف الصريح بوجود طرف ثالث في اللعبة السياسية، تطرح معه مجموعة من التساؤلات حول إشكالية شرعية المقاطعة الانتخابية ومدى حدود ممارسة هذا المكتسب الجديد، وكيفية التعاطي معه في المرحلة المقبلة، خصوصا وأن رئيس الدولة المغربية وجه نقدا لاذعا لكل الأحزاب السياسية، والتي تم اعتبارها إلى حدود هذا الخطاب تستفيد لـ ”تجعل من الانتخابات آلية فقط للوصول لممارسة السلطة”، مما يزيد، في رأيي، من شرعية مقاطعة الانتخابات عند المواطن خصوصا أمام فشل وفساد أغلبية النخبة السياسية.

صحيح أن الامتناع ومقاطعة الانتخابات هو حق شرعي وكوني لأي مواطن كما هو حق المشاركة والتصويت، لكنه كان حقا مسكوتا عنه وغير مرغوب فيه في بلادنا. بل كان يعتبر من يدعو إليه ضبابيا في تفكيره وغير واضح في طرحه، وفجأة يتم الاعتراف به والترحيب به من طرف رئيس الدولة المغربية، في مقابل نقد الأحزاب السياسية المغربية.

فماذا وراء هذا الاعتراف؟ ولماذا بالضبط في هذه المرحلة؟ هل يتعلق الأمر برسالة ضمنية للمواطن فحواها أن الملك هو الحل، وهو الوحيد الذي يفكر ويهتم بالمواطن؟ وأن كلا من الحكومة والمعارضة ما هم إلا صورة لتزيين المشهد السياسي؟ هل يمكن قراءة هذه المسألة على أنها استمالة لجماعة العدل والإحسان المقاطعة، وكذلك محاولة لاحتواء كل الأطياف المعارضة من كل فئات المجتمع المغربي؟ أم أنه تهديد مباشر هذه المرة للهيئات الحزبية لمراجعة أوراقها؟

لا أحد ينكر أنه بعد جماعة العدل والإحسان التي تبنت خيار المقاطعة منذ سنين، أن دائرة المقاطعة بدأت ترتفع وتتوسع لتشمل مختلف الأطياف والفئات خصوصا بعد هذه الكوارث الطبيعية والبيئية لهؤلاء المسؤولين خدام الدولة العظام، مما جعل ناقوس الخطر يدق على أبواب النظام المغربي نفسه.

اليوم، إذا كانت عملية التصويت تستوجب حملات انتخابية يعرف فيها المشاركون ببرامجهم وتوجهاتهم، فإنه بالمقابل تطرح إشكالية خروج المقاطعين الشرعية، بعد الاعتراف الملكي لهم، إلى الساحة بكل حرية وتنظيم حملات عمومية يعرفون من خلالها بأسباب مقاطعتهم وتوجهاتهم، ومحاولين إقناع الآخرين بالمقاطعة، وذلك من منطلق أنهم أصبحوا طرفا ثالثا في اللعبة السياسية، والذي سيعترض عليهم يعترض مباشرة على الخطاب الملكي.

فكيف ستجيب وزارة الداخلية، مثلا، إن خرج الطرف الثالث المعارض والمقاطع للانتخابات وفتح محلات ومقرات وزينها بشعارات المقاطعة ووزع منشورات تشرح وتدعو للمقاطعة؟ هل ستقف وزارة الداخلية ضد تصريح رئيس الدولة ”أنا ملك الذين لا يصوتون”، وضد الفصل 42 ”رئيس الدولة هو الساهر على صيانة الاختيار الديمقراطي…”، أليس هذا من صلب هذا الحق؟ وهل أصبح الآن من حق التيار الثالث المقاطع الاستفادة من الدعم المالي للقيام بحملته؟ الأمر الذي سيجعل معه المشهد الديمقراطي يكتمل، بحيث يعبر الكل عن رأيه بكل حرية… ألا يحتم الأمر اليوم على مشرع القانون النهوض لتنظيم عملية المقاطعة الانتخابية قانونيا؟

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقا

أعلمني عن
‫wpDiscuz