ISTA Ouazzane

الرئيسية » عين حرة »

سعيد مهران: البطل التراجيدي.. البطل الإشكالي

تحقق رواية اللص والكلاب للروائي المصري نجيب محفوظ تناصا ثقافيا وفكريا مع مضامين التراجيديا من جهة، وتقاطعات جذرية مع مآسي الأبطال التراجيديين من جهة ثانية، وهي المحصلات التي تحفزنا على التعامل مع هذا العمل الأدبي تعاملا نقديا وتحليليا يفرض علينا مساءلته قصد الإلمام بأبعاده والوقوف عند شخصياته التي عبرت عن تصوراتها وطموحاتها حسب موقعها الإجتماعي والنفسي والإيديولوجي ورؤيتها للحياة والكون والناس، ويبرز في هذا المضمار سعيد مهران الذي لعب دور البطولة واستطاع خلق نوع من التشويق والإثارة البوليسية وكأنه بطل تراجيدي اختط له القدر حياة الشقاء والألم، الأمر الذي يدفعنا لإستفزاز هذه الشخصية ومحاولة التقرب منها قصد مقاربة خصوصياتها النفسية ورغباتها التي تجعل منها نموذجا سيزيفيا يستحق الدراسة والتحليل.

لم يكن سعيد مهران سعيدا في حياته، فقد لاحقته اللعنات وحاصره اليأس بسبب الفقر واليتم والإنتهازية والتهميش على غرار الإهمال الطبي الذي أودى بحياة أمه والغموض الذي لف موت أبيه، وكلها أحداث ساهمت في وقوفه موقفا سلبيا من مرارة الواقع ومن التفاوتات الطبقية التي تنخره، وأمام هذا الوضع المتردي يجد سعيد مهران نفسه مدفوعا لإنتزاع حقه عن طريق احتراف اللصوصية كمدخل يبيح له سرقة الأغنياء الذين بدورهم سرقوا الفقراء، وحتى يعطي لحياته معنى يقرر الزواج من نبوية باسم الحب إلا أن أمانيه تصطدم بجدار الخيانة المزدوجة التي أنجزتها زوجته بمباركة من تلميذه عليش، إذ وجها له طعنة غادرة زجت به في السجن ضاربين عرض الحائط كل قيم الإخلاص والوفاء والشرف، كما كان لجفول وجفاء ابنته سناء وحب أستاذه رؤوف علوان للسلطة والمال على حساب المبادئ والأخلاق دور في توعده الخونة بالإنتقام القاسي إيمانا منه بضرورة تصفيتهم ومحقهم، فهم – في نظره – سبب تعاسته ومعاناته وضياعه داخل عالم عبثي شعاره التشيؤ واللامعنى، إننا اذن أمام بطل إشكالي تعرض للخيانة والخديعة مما جعله يتخبط في وضع تراجيدي غير أنه لم يظفر سوى بالخيبة والإحباط.

إن الأزمات التي طاردت سعيد مهران ونقمته عليها وعلى الواقع جعلته غير مدرك لأسباب التلاشي في كيانه وهو ما وضعه أمام حقيقة القرارالأخير الذي سلك طريقه وهو في ذروة الأزمة محاولا إعطاء معنى معين لحياته وصياغة تصورات نقدية معارضة للبيروقراطية المصرية متشبعا بروح المقاومة الفردية في وجه الطبقة البرجوازية الصاعدة والتي جعلته مهووسا بضرورة استنبات قيم جديدة ونبيلة لم تعد موجودة في واقعه، الأمر الذي جعل التردد والحيرة صفتين ملازمتين له وهو يعيش الترنح بين عالمين: عالم الذات وعالم الواقع، والحق أن هذا الترنح الوجودي أسقطه في مطب الفشل الذريع في زرع تلك القيم في واقع محبط ومنحط لا يتكلم إلا لغة الانتهازية والخيانة ويعاني مرض الإهتراء الفكري والثقافي وتلوثا سياسيا تغيب فيه المبادئ وتندثر فيه الشعارات لصالح المصلحة الخاصة.

إن اكتشاف سعيد مهران لخصوصيات واقعه السياسي والثقافي جعله في مواجهة مباشرة مع باقي الشخصيات سواء تلك التي تتعاطف معه أو تلك التي تكن له العداوة. وهو ما يعني تموضعه في المابينية الطبقية والاجتماعية لكونه واجه طبقتين مختلفتين: الفقراء ثم الأغنياء إنه صراع من أجل تحقيق العدالة والديمقراطية والحرية والمساواة في تركيبة المجتمع المصري… وهي القيم التي ناضل من أجلها البطل ببسالة بغرض تثبيتها وترسيخها كثقافة وكفكر يتأسس على مرجعيات ومبادئ الثورة التي عقد عليها المصريون آمالا عريضة لتحسين أوضاعهم. وما يلفت النظر في شخصية سعيد مهران ثباته على مبادئه في أحلك الظروف وإيمانه القوي بإمكانية التغيير مما جعله يجازف بحياته ويضحي من أجل انتمائه الطبقي وحيدا في تحد صريح معلنا عن فدائية تراجيدية تندفع نحو قدرها المحتوم بكل شجاعة وقوة، فالبطل ملزم بمواجهة الصعاب وتحمل الشدائد ما دامت التراجيديا وصفا لمحاولة الإعلاء والتنامي الفردي بغرض إنجاز مهمة اجتماعية وأخلاقية.

إن سعيد مهران يحقق تقاطعات قوية مع مجموعة من الأبطال التراجيديين وفي طليعتهم بروميثيوس الذي ضحى بنفسه من أجل الناس ومن أجل مساعداتهم وهو يعلم قدره المحتوم المليء بالتعاسة والعقاب والعذابات النفسية والجسدية ممثلة في تكليف الآلهة لنسر يقوم بافتراس كبده يوميا شأنه شأن سيزيف الذي عاقبه زيوس على خداعه ومكره لإله الموت ثاناتوس، حيث يقوم بحمل الصخرة من أسفل الجبل إلى أعلاه، وإذا ما وصلت القمة تدحرجت فيعود إلى رفعها من جديد، ويظل هكذا إلى الأبد، وإذا كان الأبطال التراجيديون يرتكبون الأخطاء التي تكلفهم المأساة فالأمر نفسه بالنسبة لسعيد مهران الذي عاش ما يعرف ب “السقطة الدرامية” أو الهمارتيا نتيجة عدم الاتزان والتعقل والتبصر في تبين الأهداف والغايات، إن السقطة التراجيدية التي عانى منها بطل الرواية كانت سببا في هلاكه بعد ارتكابه سلسلة من الأخطاء القاتلة والمكلفة، ويرى أرسطو في هذا الإطار أن التغيير في الحال نحو التعاسة والمأساة لا يعود إلا خلل أخلاقي ولكن إلى خطأ من نوع ما فما هي إذن الأخطاء التي ارتكبها سعيد مهران؟

من بين الأخطاء التي سقط فيها بطل الرواية نلفي ثقته الزائدة في أصدقائه وخاصة في عليش الذي اعتبره أمين سره وسمح له باقتحام حياته الخاصة بدرجة كبيرة جعلته لا يعارض مرافقتها إلى الصحراء لو طلب منه ذلك في إشارة منه إلى ثقته العمياء فيه وهي الثقة التي سببت له عذابا نفسيا رهيبا، وعلاوة على الثقة المفرطة نضيف التسرع والتهور في تنفيذ القرارات والتي غالبا ما كانت تؤول إلى الفشل كما هو الحال في الرصاصتين الطائشتين اللتين أصابتا البواب والمكتري حسين شعبان عوض الخونة، ولأنه فقد التركيز والإتزان نجده يرتكب أبشع الأخطاء لما نسي البدلة العسكرية في غرفة نور، وهي التي ضمنت له التنكر في زي العسكري… والحق أن هذه الأخطاء كانت مكلفة وساهمت في تضييق دائرة المطاردة وتشديد الخناق، وإذا كان بروميثيوس وسيزيف قد عوقبا عقابا قاسيا فإن سعيد مهران عوقب عقابا وجوديا وعبثيا، فالحياة التي جاهد من أجل أن يكون لها طعم معين تلاشت في لمح البصر عندما انهار بدون معنى ولا هدف وسط القبور كدلالة رمزية وسيمائية على اللاجدوى واللامعنى في حياة مريضة تئن من شدة الخيانة والرذيلة وتعاني مختلف مظاهر الزيف والبهتان.

إن سعيد مهران رمز للنضال الفردي والحماسة الواثقة والمتشبعة بروح المقاومة والتحدي وعدم الاستسلام حتى لو تطلب ذلك التضحية بالحياة من أجل الأجيال اللاحقة، إن الحياة التي رغبها بطل الرواية لم تكن لتتحقق في ظل تلوث فكري وثقافي لا يؤمن إلا بالمناصب والمصالح الذاتية، ورغم ذلك وجدناه يحاول سحق هذه القيم بغرض زرع أخرى تضمن الأمن والاستقرار، إنه نضال البطل الإشكالي والتراجيدي من أجل الحرية الاجتماعية.

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقا

أعلمني عن
ترتيب التعليقات حسب:   الأحدث | الأقدم | الأكثر تقييما

مقال ادبي رائع يزخر ببلاغة خلاقة ….واصل صديقي فالرواية والقصة القصيرة تناديك.

‫wpDiscuz