الرئيسية » عين حرة »

سنّة وسنن

بالرغم من أني لست من المحافظين على الصلوات في المسجد -وهذا تقصير مني أسأل الله تعالى العفو والمغفرة، لأن ترك الصلاة في المسجد، دون عذر، تعد من الكبائر حسب تصنيف الإمام شمس الدين الذهبي رحمه الله- وبالتالي فأنا لا أزورها تقريبا غير الجمعات، بالرغم من هذا، فإن زياراتي الغبة تلك كافية لتجعلني أخرج في كل مرة من ضيافة الكريم الودود متوترا حتى أظنني خرجت أكثر سيئات وأقل حسنات مني قبل دخولي، عكس ما مفروض. وهذا موقف غير مشرف وغير قابل للنشر بين الناس في الحالات العادية، ومن حسن الحظ في الحالات العادية، أما الحالة هنا فهي ليست عادية.

والبقعة المباركة التي أتردد عليها، تسمى، زورا، بمسجد السنة. وعلى كل حال نفس ما سيقال فيها، يقال في غيرها من مساجدنا دون استثناء.

وللسنة معان عدة، فإذا كانت بضدها تتميز الأشياء، فإن السنة تستعمل مرة في مقابل البدعة، وأخرى في مقابل الشيعة، وثالثة في مقابل الفرض، هذا اصطلاحا، أما في اللغة فيعبر بها عن النهج والطريق والقانون والتشريع والعرف. وفي كل الأحوال فسنتنا لا تحتمل أيا من هذه المعاني، إنما يمكن أن تحتمل مقابلا لها وهو: البدعة. فالسنة هنا إذن بمعنى البدعة.

ففي زمن التفتح والانفتاح وانتشار المعلومة، وتأصيل التصرفات الشرعية في كل الميادين، وفي عصر التركيز على”الإصلاح الديني” وتأطير “الخطاب الديني” ومراقبته ليصدر عن مرجعية واحدة “مؤهلة” في إطار التنافس وقطع الطريق على الآخر المنازع للدولة في هذه المرجعية، في خضم هذا كله، تجد بيوت الله لازالت تسيطر عليها فئات أقل ما يقال عنها أنها لو كان فيها خير لاستيقظت وأيقظت منذ أمد.

إن كل مسجد يدار من طرف “كليك” كلاسيكي شكلا ومضمونا: وجوههم وجوه نسوة، مظاهرهم مظاهر الحمالين في سوق الجملة! لكل واحد منهم مقعد خاص لا ينازعه فيه أحد، ومكان للصلاة خاص، ومكان لوضع الحذاء موقوف عليه، فالحجز قد تم أيام الاستعمار، وبالضبط “ف عام جوع”، وقبل كل ذلك وبعده: مهمته الرسمية! فمنهم “الفقيه” ومنهم المؤذن ومنهم المسمع ومنهم المنظف وحامل المفاتيح والمحمولة إليه… وقد سنوا سننا نسخت سنن سيد الخلق ولو بعد حين، وإلى حين، طبعا.

فإذا تأنيت قليلا في رواتبك البعدية أصبحت مسجون الإمام إلى حلول وقت الصلاة الموالية. فالعصر عصر السرعة. وإذا اضطررت إلى قضاء ركعات فاتتك، فإنك لا تدري ما تقول تحت تشويش دعوات الإمام(والدعوى لله) وتأمين المسمع، ومعه المأمومون، بطلاسم لا تفهم منها شيئا. فإسرار الإمام يقابله جهر المسمع، وماذا بين ذلك؟ الله أعلم. وهذا الوضع يذكرني بما حدث مرة حيث أن أميا قال لإمام: <<إنكم تشوشون “بالسنة”(دعاء ختم الصلاة الجماعي اعتبره هو سنة) على الفرض(قضاء الفوائت)>>. وهذا التكلف في الختم له مقصد واحد ووحيد وأوحد، معروف على أية حال: اختلاق الفرصة للدعاء لولي النعمة… لكن هل يجب إقحام ذلك حتى في العبادة؟؟!!!

أما أثناء الصلاة فكل تكبيرة من الإمام، في أية صلاة جهرية كانت أو سرية، يتم “تسميعها” من طرف “المأموم” الذي يتموقع خلفه مباشرة! مع أن الإمام مزود بجهاز مكبر الصوت(دون”المأموم” طبعا)!

في الآذان، القاعدة أن تسمع: “الله أكبار” مع أن أكبار هو الطبل، واسم الله الكريم عز وجل لا يليق إطلاقا به هذا المقام.

عند القيام إلى الصلاة، تتلى إقامة الصلاة قبل اصطفاف الصفوف، بحيث لا يهم بعد ذلك إن كانت الصفوف موصولة أو مقطوعة، مستوية أو معوجة.

تجد كل هذا وأكثر، في الجماعات، أما أهم ما يضاف إليه في الجمعات فهو: رواية الحديث، والمسارعة إلى إقامة الصلاة قبل ملء الصفوف الأمامية -الخاوية على عروشها- بالمصلين المتكدسين في مدخل المسجد…

إن السؤال المركزي هنا هو: ما مصدر تشريع هؤلاء؟

إنه مما يعرف من الدين بالضرورة أن الصلاة تحريمها التكبير وتحليلها السلام، أما الختم والمعقبات فإنه اجتهاد انفرادي كل حسب طاقته وإمكانيته، وحتى في حالة ختم جماعي، إذا لم يكن فيه أذى لمصلين آخرين، فيكون بالدعاء جهرا من أحدهم حتى يسمع الآخرون علام يؤمنون. أما التسميع فهو يشرع للضرورة بحيث يمكن أن يصبح واجبا في حالة اتساع نطاق مكان الصلاة إلى درجة استحالة مسايرة المصلين القاصين للإمام، فتعم الفوضى في صلاة جماعية، وفي هذه الحالة لا يقوم بالتسميع من يقف خلف الإمام مباشرة، فالمسألة ليست مجرد طقس شكلي. وكل هذا طبعا في غياب إمكانية الرفع من صوت الإمام بواسطة الأجهزة المخصصة لذلك. ثم يجب ضبط ألفاظ التعبد من أذان وإقامة وقراءة ودعاء… فالوضع لا يحتمل “اللحن” كما يقولون هم أنفسهم(هؤلاء “الفقهاء” بالإراثة). وإقامة الصلاة تتلى بعد تكوين الصفوف حرصا على إتمامها وتسويتها، ويقوم بتلاوتها (الإقامة) المؤذن المتوفرة فيه شروط الإمامة الدنيا، ويقف خلف الإمام مباشرة حتى إذا حدث عارض لهذا الأخير خلفه في إتمام الصلاة. أما مسألة المسارعة إلى غلق الأبواب، فإذا كانوا يبررون ذلك بالحرص على ممتلكات المسجد، والحرص على عدم اتخاذه مأوى للمشردين، و”المتطرفين” الذين يمكن أن يغتنموا الفرصة ليمارسوا فيه أنشطتهم… فإن المباهاة في المساجد أصلا فيه نظر، ثم إن اعتماد حارس لكل مسجد سيجنبها المخاوف السالفة الذكر، كما سيخفف، بقدر، من البطالة.

وفيما يخص “تقديم” “طقس” يوم الجمعة، فإن المنبر يعتليه “خطيب” “مغلف” بهندام لائق، مظهره يلائم المقام، صوته فصيح جهور رنان، لدرجة أنه إذا حضر الخطبة من لا يفهم لغة الإلقاء يمكن أن يكِن له احتراما شديدا من فرط ما يلاحظ من حدة في الانفعال، وما يسمع من ارتفاع في الصوت، وما يرى من انتفاخ في الأوداج واحمرار في الوجه…

غير أن خيبة ظن ذلك الأعجمي المسكين المخدوع ستكون فادحة عندما تترجم له الخطبة فيجد مضمونها يلعب دورا مزدوجا متقابلا بين تقريع الشعب وتعنيفه(دون رحمة) من جهة، وتنويمه من جهة أخرى. نعم إنها طريقة عنيفة في التنويم، تعتبر من آخر المبتكرات في عصر العولمة. فمع أن الشعب قد أخذ بنصيحة مَن قبلَنا:

“ناموا ولا تستيقظوا             ما فاز إلا النوم”.

رغم هذا، فالخطيب -جزاه الله خيرا-، وحرصا منه على راحتنا، وخوفا من إزعاجنا، يبالغ في التنويم طمعا في الوصول بنا إلى حالة السبات والكمون فيكون قد حقق إنجازا علميا غير مسبوق عله يحصل، بناء عليه، على جائزة “نوفل” لعلم التنويم المنبري للآدميين. هذا العلم الآخذ في التطور بسرعة لا متناهية رغم أنه اكتشف حديثا جدا.

لكن البعض، ودون وجه حق، يصر على اعتبار ذلك خيانة، وأن الخطباء الذين يدعون من فوق المنابر للفضيلة والأمانة والاستقامة وكل القيم النبيلة… هم أول من يخرقها، ولحظة الدعوة إليها، فيمارسون الرذيلة والخيانة والاعوجاج، من خلال قول الزور، وممارسة النفاق والتملق والتزييف، حتى يقول بعضهم: إذا فقد الإمام)القدوة) الوضوء بخروج الريح، فقده الصف بخروج الغائط.

إنه من فرط ذلك لا يؤمّن الكثير من المصلين على دعوات الخطيب تيقنا منهم أن دعواته لن تُجاوز أنفه ارتفاعا، ولن ينفعها تأمين من في الأرض جميعا، وإلا فإننا إما نفقد اليقين في عدل الله سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا، ونعوذ بالله من ذلك، أو نعيد تحديد مفهوم القيم، وذلك غير ممكن لأن التحديد الأصلي موثق ومدون في الأسفار ويأبى التحريف، ومحفوظ في الصدور ويأبى الشرفاء من أصحابها التواطؤ.

بل إن كثيرا من الناس لا يعتبر نفسه يؤدي صلاة الجمعة طمعا في ثوابها الأخروي ونفعها المادي المتمثل في تعبئة بطارية روحية تضمن استمرار توقد جذوة إيمانية لمدة أسبوع، وإنما يعتبرون أنفسهم جاؤوا لمجرد إثبات حضورهم، وتوقيع محضر الدخول، خوفا من محاسبة الله عز وجل لهم عن التخلف عن أداء فريضة فرضها عليهم.

أما الوجه الآخر للخطبة، أي التقريع والتعنيف، فهو لا يخرج عن إطار قاعدة جلد هذا الشعب المسكين من طرف كل من أحسن إليهم. فالخطباء من منابرهم العالية يتوعدونه بجهنم لأنه لا يأتمر بأوامر الله ولا ينتهي بنواهيه -وكأنهم هم الفرقة الناجية-، ولا نفهم والله كيف يجمعون على الحكم على الوضع بالإفلاس المطلق بالنسبة للشعب ثم يؤلهون المسؤولين عنه، والمثقفون من داخل قلاعهم العاجية وأبراجهم السامية وحصونهم المنيعة، يتوعدونه بالفقر والجهل والتخلف لأنه لا يقوم بالدفاع عن حقوقه، والسلطات تتوعده بالوصاية لأنه لم يرد أن يتخذ للنضج والرشد سبيلا… ولا ندري ما مهمة هؤلاء المتوعدين؟ وماذا فعلوا هم؟ ومن أين يأتيهم قوتهم؟ فإذا كان الشعب هو المسؤول عن نفسه، فلتُحل إذن جميع هذه الهيآت والمؤسسات، وليستفد الشعب من تلك الثروات التي تستهلكها هذه الكائنات الطفيلية، بحكم القانون أو دون ذلك، رغم ما فيه هو نفسه من ظلم “قانوني”.

إنه بسبب هذا التنويم العنيف وهذه المواعظ الخائنة، لا يثق الناس في هؤلاء الخطباء، ويتجهون نحو أولئك الذين لا يبيعون الكلمات بأبخس الأثمان، ولا “يبيعو القرد ويضحكو على اللي اشراه”.

إن خطيبنا هذا ليس في ميزان حسناته، إضافة إلى المظهر، سوى قراءته في الركعتين بسبب جميل صوته وإلمامه بقواعد الترتيل.

إن تحقيق الرهانات المعلن عنها في إصلاح “الخطاب الديني”، بغض النظر عن مصداقيته، لا يكون بالتمكين لهذه “الشلات”، ولا بتزويد المساجد بأجهزة تلفاز وأجهزة استقبال رقمية(حتى ولو أضيفت إليها كراس أو أريكات ونوادل)، ولا بتوزيع خطب “استندار” وإصدار المذكرات وإرسال أعوان السلطة للتأكد من تطبيقها. إنه يكون بتأهيل القيمين عليها بحيث يجدون لكل سؤال: لماذا فعلتم هذا؟ ولِم لَم تفعلوا كذا؟ جوابا مؤصلا مرجعيا حتى يكتسبوا ثقة الزخم العائد إلى المساجد بالإقناع، لأن هذا الشباب، حاليا، يبحث ويقارن، ولا يأخذ أمره اعتباطا. إن التحجر لا يولد تحررا.

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقا

أعلمني عن
‫wpDiscuz