ISTA Ouazzane

الرئيسية » عين حرة »

سينما الحظوظ العاجلة

إن أخطر ما قد ينخر في قوى المجتمع هو حين تصبح معظم أماكنه الثقافية مرادفا للانحطاط والتفاهة. فعلى سبيل المثال، تلك الأفلام السينمائية الفارغة المضمون، التي لا رسالة ولا هدف لها سوى الشهرة وصنع “فنان صاحب حظوظ عاجلة”. وإن كان يجدر بي أن أوضح مقصدي بهذه العبارة فذلك سيصير جليا في الأسطر القادمة.

بداية لا أحد منا ينكر الدور المهم الذي تلعبه السينما في جعل المجتمع أكثر انفتاحا على قضاياه الاجتماعية والسياسية وأيضا على قضايا الآخر، بل إن السينما لطالما كانت المربي، والمعلم، الذي يسعى من خلال أفلامه أن يقدم التوعية والتوجيه وأن يسلط الضوء على أكثر المواضيع حساسية والتصاقا بالأركان المظلمة داخل ذواتنا وداخل المجتمع. هذا بالإضافة إلى كون السينما مكان ثقافي يوفر التسلية والترفيه لجمهور عريض من عشاق الفن السابع. لكن، ما بتنا نشهده اليوم للأسف الشديد مغاير تماما لأهداف السينما، بل لا يمسها بصلة. فمن منا ينكر أن عددا لا باس به من الأفلام السينمائية اليوم أضحت مصدرا للسخرية بل الأخطر من ذلك أنها أصبحت مكانا لممارسة العهر والرذيلة. وماذا سنسمي فيلما يترك القضية الأساسية ويركز على الجانب الجنسي فقط؟ ولست أدعي الفضيلة أو المثالية من خلال هذا الكلام، فالكل يعلم بأن السينما حياة ولا يجوز أن نقول بأن هناك سينما نظيفة وأخرى غير نظيفة لأن الحياة في الأصل ليست نظيفة بالمطلق. ومن المهم ومن الأساسي أن نناقش ذلك، لكن بطريقة لا تخدش حياء أحد ولا تجعل عاشق السينما يضرب أخماسا في أسداس قبل دخوله صالة العرض لمشاهدة الفيلم.

إن السينما يا سادة وإن اختلفنا سنتفق بأنها مكان للتوعية والتسلية في آن واحد، ولا يجدر بنا أن نحولها إلى “برديل” مستعيرين اسم الفن وكشف الحقائق! لأن الأفلام السينمائية التي لا هدف لها لا تفيد المجتمع بشيء وإنما تضره. فجل ما تفعله أنها تخلق “فنانا” لا يستحق تسميته كذلك لأنه وببساطة يفتقر لكل معاني الفنان من رقي وأخلاق ومعاملة وذكاء. والأفظع من هذا كله، أنها تخلق صفا طويلا عريضا من أمثال “هذا الفنان صاحب الحظوظ العاجلة” الذي تحدثت عنه آنفا. هذا الشخص الذي يشتهر بين عشية وضحاها لاعتماده على قاعدة “خالف تعرف”.

وللتوضيح سأعطي مثالا قد يساعد في إيصال الفكرة المرجوة؛ لنتحدث مثلا عن فيلم ما محور قصته الأساسي حول الدعارة، طبعا الموضوع أكثر من مهم لأنه موجود وبقوة داخل المجتمع. لكن السؤال الذي يطرح نفسه، هو لماذا نتعمد اعتبار المشاهد المغربي بأنه غبيا؟ ففيلم مثل هذا حبذا لو اهتم بتسليط الضوء عن الدوافع الأساسية التي تجعل من بنات الناس عاهرات وفتيات ليل، حبذا لو تحدث عن فقرهن المدقع، عن تعرض بعضهن للاغتصاب أحيانا من أبيها أو من زوج أمها، وأن يوضح الفيلم مدى المعاناة الحقيقية والظروف القاسية والمرة التي تدفع ببعض النساء على امتهان الدعارة في بعض الأحيان في سن جد مبكرة، وعن المحيط الذي تعيش داخله هذه النساء، عن الجهل، عن الحارات الشعبية وما تخبئه من إجرام وانحراف وهموم لا حصر لها. ألن يكون هذا أكثر أهمية لمعالجة ظاهرة مثل هذه؟ عوض أن يتم التركيز على المشاهد الجنسية وتصويرها بحذافيرها؟ أوَلا يعلم أصحاب هذا النوع من الأفلام بأن المشاهد المغربي ليس في حاجة لرؤية ما يحدث خلف أبواب الغرف لأن خياله الجامح قادر على فعل ذلك بدون أدنى معاناة. وإنما المشاهد المغربي والعربي عموما هو في حاجة أكبر لأن يتعرف ويلامس حقيقة ما يدفع بهاته النسوة والفتيات إلى المرور بذلك الباب. إن السينما كما ذكرت مسبقا يجب أن تظل وظيفتها الأساسية هي توعية الناس وشد انتباههم لأهم الظواهر الاجتماعية استفحالا داخل المجتمع، لا أن تتحول إلى مكان ينشده كل من هب ودب، والأهم ألا تخلق لنا أناسا تصيد حظوظها عنوة ولا يهمها إن كانت بذلك تسيء لبلدها أم لا.

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

منار رامودة

حاصلة على إجازة في الآداب الإنجليزية، من هواياتي كتابة المقالات والقصص القصيرة والخواطر الشعرية.

عدد المقالات المنشورة: 13.

خلاصات منار رامودة

اقرأ لنفس الكاتب:

اترك تعليقا

أعلمني عن
‫wpDiscuz