الرئيسية » عين حرة »

صوت الحق لا تقهره الهراوات!!

أيها الشرطي، وأنت تقف مفتول العضلات شازر النظرات، مستقيم الهامة، ممشوق القامة، أمام تلك الجموع في ذلك المكان المقدس المسقي بدماء الشهداء. وأنت تقف على تلك الحال أمام تلك الجموع من الأفاضل والشرفاء الذين أبوا الذل ورفضوا المهانة بما تبقى من طاقة في هياكلهم العظمية التي أنهكتها السنوات الطوال من الطبشور الأبيض واللوح الأسود والأرائك الخشبية، ينفقون أعمارهم بين عقارب الصحراء و”حِناشها”، وبين وعثاء الجبال وثلوجها، يتعهدون النشء تربية وتعليما وتثقيفا. وأنت تقف أمامهم مستعرضا قواك، شاهرا عصاك، توزع النظرات الشَّزراء، والعبارات العَفراء، منتظرا إشارة القائد للانقضاض عليهم انقضاض المنايا على شغاف الأرواح، أو انقضاض الكواسر العجماء على الفرائس الوهناء، تذكر جيدا:

أن هؤلاء الذين تقف أمامهم، هم من علموك وربوك وسلكوا بك الفجاج المظلمة والمسالك المدلهمة وسط عواصف الجهل وأعاصير الأمية حتى أخرجوك سالما إلى المقام الذي أنت فيه.

تذكر أنك كنت صبيا في مهد المعارف تتلمس المراضع بين القرى السحيقة ثم لا تجد الأم الحنون ولا الأب الرؤوف إلا في ذلك المعلم والمربي والأستاذ الذي يحتضن جهلك ويحيله إلى نور ويحتوي أميتك ليصنع لك منها مركبا تنجو به من غطرسة الأمواج المتراكمة الزاخرة في بحر الحياة. أولما ركبته وتعلمت القيادة ألقيته منه بضربة عصا أو لكمة ساعد.

هل تذكرت اليوم الذي كنت فيه ضعيف القوى فارغ الجَوى، نكرة في أعماق القرى، وكان مجلسك أمامهم كرسيا من خشب وضيع، وكلامك إليهم تأتآت وفأفآت أشبه بأمر الرضيع، وكنت تجلس إليهم جِلسة الولد إلى أمه أو اليتيم إلى وليه، ناشِرَ المعاناة متَكثرَ العثرات، فادح الزلات، والبرد يستوجعك والحر يستقرحك، ثم لا تجد من يحمل عنك من ذلك شيئا إلا هامةً كُنت تراها أمامك وقادة، وملامح مستبشرة أخاذة، كنت تراها وتنظر إلى ابتسامتها، على حزن مكظوم، وإشراقتها على كدر مكتوم، تنساب الحروف والكلمات من شفاهها انسياب الماء الزلال بين ذرات الرمال، مدغدغة حواسك وعرصات عقلك الفتية وهي تستنبت غراس العلم فيه ، كما تدغدغ الأحلام أرواح الصبيان.

هل تذكرت تلك الهامة التي رسمت لك الطريق الذي حملك إلى هذا المقام بسلاسة ولا عُسرَ زحام، إنها هامة هذا المربي المعلم، وذاك الأستاذ المدرس، الذي تقف أمامه تنتظر الإشارة للفتك به، وتكسير عظامه بلا سابق رحمة ولا لاحق شفقة.

تذكر أنها هي الهامة التي كانت تتعهدك بالرفق والحنان يوم كنت ضعيفا وضيعا سحيقا وهنانا، وهي التي كانت حينها تسكب في فؤادك إكسير الحياة قيما ومعارفا وعلوما. فانظر إلى نفسك اليوم ما أبخسها وهي تسكب على ما بقي من تلك العظام الرثة حميم الشِّدة وغساق العذاب.

فتذكر وأنت تشد الخناق عليها في مسرح تلك الساحات، أن لا أحد كان أرحمَ بك منها في أيام ضعفك ووهنك، وأن مَسحَةً منها على ناصيتك حينها كانت تُنبت غراسا كثيرا من أشجار المعرفة تثمر سيلا وارفا من القيم والأخلاق والفضائل، أفلما جد بك الجد أنكرت الغارِسَ وطفقت ترجمه بثمارها وهي لم تنضج بعد!

إني أعلم سيدي الشرطي، -وأنا لا أريد أن أطيل الكلام ههنا- أنك تنفذ الأوامر وتطبق التعليمات، وأنت فيها كالميت يقلبه المغسل كيف يشاء، لكن تذكر دوما أنه، ليس من البر أبدا أن تضرب أمك لتطيع أباك!! وأن صوت الحق لا تسكته الهراوات.

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقا

أعلمني عن
‫wpDiscuz