الرئيسية » عين حرة »

غيض من فيض عن حياة الأستاذ الفنان الوزاني سيدي علي الرباحي

عظيم أن يولد الإنسان في بيت تقى وصلاح، وأعظم منه أن يكون البيت بيت علم وهداية، فما بالك لو كان البيت بيـًتا قرآنيـًا، فلم يكن بيت أمه فحسب، بل لقد كان حجرها غطاءه، وصدرها سقاؤه، فأدفــأته بصدرها، وأرضعته لبنها، وشاء الله أن يدر له منها لبنـًا، فكان لبنـًا مباركـًا، غذى اللسان، وقوى الحجة والبيان، إن تحدث فجدير لأن يسمع له، وإن سئل فجدير بأن يجيب، وإن مدح علا صوته، وجرى دمعه، وبدا إخلاصه، فيظهر على الناس الأثر، يسبق فعله كلامه، كما يسبق ضوء الفجر وهج الشمس.

غيض من فيض عن حياة الأستاذ الفنان الوزاني سيدي علي الرباحي

غيض من فيض عن حياة الأستاذ الفنان الوزاني سيدي علي الرباحي

أمور كثيرة هي التي منَّ الله عليه بها فرفع شأنه بين أهل وزان بعلمه وتواضعه وفضله وتقاه، فنعم الرجل هو، أتدري من هو صاحب هذه المزايا؟ إنه قمر سطع نوره من أرض وزان ليضيء أرجاء المعمور إنه شخص إذا جالسه أهل المديح والسماع زاد شوقهم لهذا الفن، إنه الأستاذ الفنان المقتدر سيدي علي الرباحي الذي ولد بمدينة وزان في 31 دجنبر سنة 1970 فكان الوليد الصغير قسيمـًا وسيمـًا، بهي الطلعة، تام الخلقة، يملأ عين مجتليه، ويأسر فؤاد رائيه، ويسر عين ناظريه. التحق في سن مبكرة بالكتاب القرآني وكان يدرسه آنذاك سيدي عبد السلام السعادي وفي سنة 1977 التحق بالأقسام الابتدائية بالمدرسة الحسنية حيث تابع دراسته هناك وبعد أن حصل على الشهادة الابتدائية التحق بالثانوية الإعدادية التأهلية مولاي عبد الله الشريف ونال منها شهادة الباكالوريا. وفي تلك السنوات كان لا يفوت عليه فرصة الحضور لضريح سيدي علي بن أحمد كل يوم جمعة بعد صلاة العصر، هذا الضريح الذي يعتبر مدرسة لفني المديح والسماع بوزان، وفي تلك الأيام بدأ الأستاذ علي الرباحي يفكر في الذهاب لمدينة سلا كل يوم جمعة وبالفعل بدأ يرحل كل جمعة ليصقل موهبته بمدينة الرباط فكان يوم الجمعة يوم مبارك بالنسبة إليه حيث أول مادخل الزاوية الحراقية وجد جلسة محفوفة بالذكر والصلاة على النبي فتزامن دخوله مع ترديد المنشدين “كالشمس تظهر للعينين من بعد . . . . صغيرة وتكل الطرف من أمم” وكأن هذا البيت فأل خير على أهل المديح والسماع، لأن بالفعل من دخل آنذاك كان شخص مرسل برضى الله والوالدين ليحمل مشعل فني المديح والسماع، فجلس الأستاذ المقتدر سيدي علي الرباحي أمام المتصرف فإذا بالمتصرف يأمر المنشد الذي بجانبه بإنشاد “الصيكا” فاعترض الكل لكون هذا الإنشاد يعد من أصعب الإنشادات لقلة تداوله فطلب المرحوم مولاي أحمد السباعي المتصرف بإعطاء هذا الإنشاد لسيدي علي الرباحي فانبهر الكل وتعجب لكونه لازال صغيرا فكيف يمكنه أداء وإتقان هذا الإنشاد فاختار سيدي علي الرباحي ” إذا نظرت عيني وجوه أحبتي… “وهكذا فقد كان هذا اليوم هو نقطة التحول في مسار الأستاذ علي الرباحي إذ أمره قاضي القصر آنذاك المرحوم مصطفى اكديرة في الجمعة الموالية بأن يجلس على يمينه وقال له بالحرف “هذا مقامك ” . كم هو جميل أن يسمع مريد من شيخه هذه العبارات التي تعتبر تشريف وتدعيم له. وقد كان كل من المرحوم بكرم الله الحاج محمد الدغيمر والمرحوم عبد الكريم اكديرة والسيد عبد اللطيف الزياني شفاه الله هم من يتناوبون على النفقة داخل الزاوية آنذاك في حضرة سيدي مصطفى اكديرة رحمه الله أو في غيابه. و بعد توالي الجلسات أصبح شـأن سيدي علي الرباحي شأن هؤلاء حيث أسندت إليه مهمة النفقة في الزاوية وفي حضرة هؤلاء مما يعد تشريفا له وهو لازال شابا صغيرا يافعا. فنال إعجاب قاضي الرباط الذي ساهم رحمة الله عليه رفقة الحاج عمر الريش شفاه الله -ناظر الاوقاف آنذاك- في التحاقه بالمنشدين بدار المخزن، وكان سيدي علي الرباحي أصغر من يلتحق بهذا المكان وكانت له قصة غريبة الأطوار مع الشيخ الهمام سيدي عبد اللطيف بنمنصور رحمة الله عليه الذي اكتشف موهبة الأستاذ علي الرباحي الذي كان من أول الوزانيين من الجيل الثاني الذين التحقوا بمدينة الرباط، فتوطدت العلاقة بينهما انطلاقا من الزاوية الحراقية، وبعد هذه العلاقة الأولى التي دامت 12 سنة والتي كانت تعرف مشاركة مرموقة للأستاذ سيدي علي الرباحي بجانب شيخه سيدي عبد اللطيف بنمنصور رحمه الله في الكثير من المحافل. عقبها فتور ملحوظ بين الطرفين نظرا للفضول الفني الذي كان مقترنا بموهبة سيدي علي الرباحي والذي جعله يدلي ببعض الملاحظات الفنية على شيخه، ورغم هذا الصراع فقد كان دائما يعترف بقصوره عن الوصول إلى مقام شيخه. وفي يوم 4 ماي 2004 عادت المياه إلى مجراها الطبيعي فأقيم الصلح بمنزل سيدي عمر الريش بحضور مستشاري جلالة الملك محمد علال سيناصر، والسيد عباس الجراري، والسيد أحمد شوقي بنبين -مدير الخزانة الحسنية- والشاعر عبد اللطيف خالص، وحضور أخينا الدكتور فؤاد الطيبي وفي هذا المحفل الأدبي ألقى الأستاذ أحمد شوقي بنبين قصيدة نظمها الأستاذ الفنان الشاعر علي الرباحي بهذه المناسبة السعيدة تجدونها رفقته بعد هذه السيرة الذاتية مدونة بخط يد الأستاذ الفنان علي الرباحي وهي موشحة “متدارك” وعدد أبياتها نفس عدد أبيات موشحة الشيخ سيدي محمد الحراق “قبل خمر الدنان” تأكيدا من الشاعر لشيخه على انتسابهما للمشرب الحراقي الصرف. واستمرت العلاقة نحو سنتين فوقع خصام ثان دام حولين كاملين تزامن مع تأسيس صفوة المحبين تحت إشراف “علي الرباحي” ورغم هذا الخصام فإنه لا زال يعترف بجميل شيخه سيدي عبد اللطيف بنمنصور عليه والذي كان له الفضل في تكليفه بتدريس مادة المديح والسماع بمؤسسة المدارس الحسنية بالرباط الذي كان يشرف عليها آنذاك الأستاذ المستشار محمد علال سيناصر، فمكث بالمؤسسة ما يناهز 14 سنة إلى حين تكليفه بالإشراف على تنسيق برامج الأمداح بالحضرة الملكية الشريفة. وبعد كل هذه الأحداث وقع الصلح الثاني يوم تم دعوة صفوة المحبين لافتتاح مهرجان فاس سنة 2007 والذي كان الأستاذ والشيخ سيدي عبد اللطيف بنمنصور رحمه الله هو من سيسدل ستاره. وفي يوم افتتاح المهرجان الذي كان يتزامن مع يوم الخميس، وبينما تستعد فرقة صفوة المحبين للذهاب لمكان الحفل فإذا بالأستاذ الفنان علي الرباحي يفاجئ بالمناداة عليه من طرف شيخه وسط جمع مكثف من المسمعين المرموقين في بهو فندق رأس الجبل بفاس، فاستقبله شيخه وضمه إلى حضنه في لحظة أبوية صرفة مقدما له ديوإنه الجديد “نفحات العرف والذوق في مدح طه سيد الخلق” وفي تلك اللحظة دمعت بعض العبرات من أعين الحضور. بالفعل كانت لحظة تاريخية بامتياز في سماء فني المديح والسماع بالمغرب وفي هذا المهرجان غنى الأستاذ علي الرباحي مستعملات صوفية من تلحينه نذكر منها على سبيل المثال لا للحصر “نلت ما نويت” في بسيط الاستهلال. من ذلك الحين توطدت العلاقة بين الهرمين وكان سيدي عبد اللطيف منذ ذلك الحين يطلب من الأستاذ علي الرباحي التحلي بالصبر والاجتهاد والمثابرة وأن مقامه سيكون له شأن وشأو، فكان عند حسن ظن شيخه به وتوالت بشرى السنين إلى أن كلفه شيخه رحمة الله عليه صيف 2009 بقيادة النخبة الوطنية “نيابة عنه” بلقاءات سيدي شيكر بمراكش . وفي خضم أيام هذا الملتقى اتصل الأستاذ الأديب والشاعر الأديب الحاج المحجوب التايك المراكشي هاتفيا بالشيخ عبد اللطيف بنمنصور ليطمئن على صحته فإذا بالشيخ سيدي عبد اللطيف بنمنصور يفاجئ المتكلم بعبارة وجيزة مفادها ” أنا بغيت علي الرباحي هو ليكون في محلي” . . .فكانت الاستجابة الربانية .
وانأ في جلسة ودية هذه الأيام مع الأستاذ الفنان المقتدر سيدي علي الرباحي بمدينة الرباط تبادلنا فيما بيننا أطراف الحديث عن فني المديح والسماع ” رأيت فيه الرجل الذي يكن المحبة لكل ذاكر لله ومادح لرسول الله شريطة أن تكون هذه المحبة مقرونة بالإخلاص مستشهدا في ذلك ببيت لأحد العارفين بالله : ” مدام علي العهد أن لايسيغها . . . .سوى مخلص في الحب خال من الدعوى” فكيف لا وهو المخلص الوفي لوالدته رحمة الله عليها معترفا إنه لولاها لما كان له نصيب ولا سهم في في هذا الباب . . . كما قرأت في شخصه التواضع المطلق فاستفسرته عن السر في ذلك فأجابني أن الذي نسقى من مدده هو سيدنا محمد “صلى الله عليه وسلم” وهو الذي أمرنا بذلك فكيف لي ولمادح غيري ألا يمتثل للتوجه المحمدي . من تم أضحى سيدي علي الرباحي يذكرني ويلح علي بكلمات لا تخرج إلا من قلب إنسان تملكه التواضع إلى أن فاضت عيناه عبرات تلو العبرات مخاطبا إياي” إنني أحب أن ينادى علي بخديم سيد الوجود ولا أحب أ ن ينادى علي” بالرئيس أو العميد أو الشيخ” .ولا بد أن أشير هنا أن الأستاذ لا يود الحديث عن نفسه و عن منجزاته لكن إلحاحي وإصراري كأحد أبناء بلده وأحد المحبين في فنه جعله يستجيب لطلبي بكل عفوية وتلقائية . . .

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

محمد امين ازمان

عدد المقالات المنشورة: 1.

خلاصات محمد امين ازمان

اترك تعليقا

أعلمني عن
ترتيب التعليقات حسب:   الأحدث | الأقدم | الأكثر تقييما

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على الرؤوف الرحيم وعلى اله وصحبه عدد علمه وزنة عرشه ومداد كلماته السلام عليكم ورحمة الله المرء مع من احب كما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلامة حب الله للانسان ان يجعل محبته في قلوب عباده وكل دلك انما هو ثمرة حب رسول الله صلى الله عليه وسلم والاكثار من الصلاة عليه ومن دلك حصلت عدوبة وحلاوة استعمالات وانتاجات الشيخ الاديب المتواضع دو الخلق الرفيع سيدي علي الرباحي حفظه الله واهله ورحم والدته واصلح دريته والسلام عليكم ورحمة الله ومعدرة على عدم اعجام الدال

الحمد لله فاطر السماوات والارض. والصلاة والسلام على نبينا وحبيبنا محمد شفيعنا الى ربنا يوم العرض.كتبت التعليق السابق يوم الاربعاء فاكرمني ربي جل وعلا بجلسة ربانية مع سيدي علي الرباحي بمدينة الدار البيضاء المحروسة يوم الجمعة’ وتاكد لي ما توسمته فيه من انوار المحبة المحمدية على صاحبها ازكى الصلاة والسلام ودلك من خلال ادبه الرفيع وفنه البديع حفظه الله بجاه الحبيب الشفيع صلى الله عليه وسلم وادخلنا واياه في حصنه المنيع.

‫wpDiscuz