الرئيسية » عين حرة »

في مفهوم الملاءمة مع الاتفاقيات الدولية

إن قضايا مثلا الإجهاض، إلغاء عقوبة الإعدام، إصلاح العدالة وغيرها من المواضيع… ما هي في الحقيقة إلا انعكاس بديهي لدرجة وحدة النقاش الدائر اليوم حول مستلزمات الملاءمة مع مقتضيات الدستور الجديد في مجال الحقوق والحريات، وكذا ضرورة الانسجام مع الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب، والتي خصها بمكانة الصدارة والسمو. من هنا فان المغرب مطالب بانجاز ملاءمة بمعنى التطابق والوحدة بين التشريع الوطني والمعايير الدولية لحقوق الإنسان، وإن تعذر ذلك، فهو ملزم بنهج سياسات الملاءمة بمعنى التنسيق، أي بهدف تقريبهما وجعلهما متناسقين، من خلال إلغاء وتقليص اختلافاتهما وتعارضهما.

في المقابل، هذه الإشكالية يتجاذبها اليوم اتجاهين فكريين في المغرب: الأول يرى أن كل الاتفاقيات الدولية مقبولة بشرط أن لا تتعارض مع ثوابت المملكة المغربية وخاصة عدم المساس بالمرجعية الإسلامية والحق في السيادة الوطنية، والثاني معارض ومتشبث بضرورة التنصيص الدستوري على أولوية المرجعية الدولية. فكيف تلج القاعدة القانونية الدولية إلى المنظومة القانونية الداخلية؟ وهل المصادقة والنشر عمليتان كافيتان لاعتبار القاعدة الدولية واجبة التطبيق؟

مكانة المعاهدات الدولية في الدستور

تعد المعاهدات المصدر المباشر الأول لإنشاء قواعد قانونية دولية، ومن المسلم به أنه لا يوجد تحديد دقيق لمفهوم المعاهدات، وكل دولة تتخذ اللفظ المناسب لها وتضمنه في دستورها، إلا أن اتفاقية فينا لعام 1969 الخاصة بقانون المعاهدات في مادتها الثانية عرفت المعاهدة: “بأنها ذلك الاتفاق الدولي المعقود بين الدول في صيغة مكتوبة والذي ينظمه القانون الدولي، سواء تضمنته وثيقة واحدة أو وثيقتان متصلتان أو أكثر ومهما كانت تسميته الخاصة”. ونظرا لأهمية المعاهدات الدولية، فإن الاتجاه الحالي للدساتير قد نظم بصورة أكثر دقة واتساعا العلاقة بين الدولة والقانون الدولي، حيث أصبح الدستور يعترف بنفسه بأهمية القانون الدولي ويكرس أحكامه أكثر فأكثر.

و من خلال القراءة السريعة للنص الدستوري المغربي، يتبين على أن الوثيقة الدستورية عالجت الشأن الدولي في مناسبتين، الأولى في التصدير، والذي أكد على مبادئ وأسس موقف المغرب كدولة ساعية للتفاعل إيجابا مع أعضاء الجماعة الدولية من القضايا التي تشغلها، بينما بين الفصل 55 من الدستور كيفيات ولوج القاعدة الدولية إلى حيز النفاذ بالمغرب. هذا بالإضافة إلى الفصل 132 الذي يعالج بشكل ضمني إمكانية مراجعة القضاء الدستوري بالنسبة للمعاهدات الدولية التي يتم المصادقة عليها من طرف الملك بعد الموافقة عليها بقانون.

و إذا كان شرطي المصادقة والنشر لسمو المعاهدة على القانون الداخلي واضحين في الدستور حيث نجد في التصدير الدستوري، ويتطلبان تدابير شكلية في بعض جوانبها، فإنه من جانب آخر، يبقى شرط تبني الاتفاقية الدولية في نطاق أحكام الدستور وقوانين المملكة والهوية الوطنية من أكثر النصوص غموضا في الدستور، سيما وأن مفهوم الهوية الوطنية ملتبس نسبيا رغم أن الفقرة الثانية من التصدير في الدستور حاولت ملامسته، من خلال تحديد مكونات الهوية المغربية وروافدها، والتنصيص على تبوء الدين الإسلامي مكان الصدارة فيها. وقد زاد الأمر التباسا أن الدستور عدد العناصر الثلاثة وكأنها مختلفة ومتوازية، في حين أن الدستور يستوعب العنصرين الآخرين، وكان في إمكان واضع الدستور أن يكتفي باشتراط عدم مخالفة الدستور فقط.

و من ناحية أخرى يبدو أن المشرع الدستوري عندما نص على أن المعاهدة الدولية يجب أن تتناغم مع الهوية الوطنية، ألا يعتبر ذلك تناقضا مع ما هو منصوص عليه في الفقرة الثالثة من التصدير من أن المغرب يتشبث بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا؟ هذا الارتباك في الصياغة يؤكد أن الوثيقة الدستورية لم تحسم بعد في إشكالية العالمية والخصوصية، سيما ما يتعلق بحقوق الإنسان.

حول إشكالية الملاءمة

بعد عملية المصادقة على المعاهدة الدولية وفق ما نص عليه الفصل 55 من الدستور ونشرها في الجريدة الرسمية، يتم طرح التساؤل التالي، هل تصبح نافذة في النظام القانوني الداخلي، أو تحتاج إلى إصدار مقتضياتها في شكل تشريع؟

في هذا الباب، حاول دستور 2011 نسبيا أن يكون واضحا ودقيقا فيما يتعلق بطريقة ولوج القاعدة الدولية إلى النسق القانون الداخلي، ونص في الفقرة ما قبل الأخيرة من التصدير على أن الاتفاقيات الدولية “..تسمو، فور نشرها، على التشريعات الداخلية والعمل على ملاءمة هذه التشريعات، مع ما تتطلبه تلك المصادقة..”. وقد يبدو من الوهلة الأولى أن المشرع الدستوري قد حسم في مختلف الإشكاليات المتعلقة بولوج الاتفاقيات الدولية إلى المنظومة القانونية الوطنية، وتبنى آلية تحويل القانون الدولي إلى القانون الداخلي، بمعنى أن القاعدة الدولية تكتسب وصف القاعدة الملزمة بعد تحويلها إلى قاعدة داخلية، وإلا ظلت قاعدة دولية لا شأن لها بالقانون الداخلي.

لكن الأمر الذي يجب الانتباه إليه هنا هو أن المشرع قيد هذه الملاءمة بموجب الدستور ولم يجعلها مطلقة بحيث يقول “… وفي نطاق أحكام الدستور، وقوانين المملكة، وهويتها الوطنية الراسخة…”، أي أن الملاءمة هنا مشروطة ومقيدة بموجب الدستور وليست مطلقة، وهو الأمر الذي نجده أيضا في الفصل (19) حين تكلم عن حق المساواة في التمتع بالحقوق والحريات الواردة في الدستور وفي الاتفاقيات المصادق عليها لكن بشرط احترام ثوابت المملكة، حيث يقول “… وكل ذلك في نطاق أحكام الدستور وثوابت المملكة وقوانينها…”.

و يستتبع أنه من خلال القراءة المتأنية للشطر الثاني من الفقرة ما قبل الأخيرة في التصدير تثار مجموعة من الملاحظات:

  • أولا: إن الدستور تحدث عن سمو الاتفاقية الدولية على التشريعات الوطنية والعمل على ملاءمتها مع هذه التشريعات، مما يعني أن هذه التشريعات كانت موجودة قبل تبني القانون الدولي.
  • ثانيا: لم يتحدث الدستور عن تشريعات لم تكن موجودة أصلا، وتم المصادقة على اتفاقية دولية تنظم مجالا من المجالات، فهل ينبغي إصدار تشريعات جديدة تحول المقتضى الدولي إلى تشريع؟
  • ثالثا، تتحدث الفقرة الثانية من المادة 55 من ضرورة موافقة البرلمان بقانون على الاتفاقيات التي يقتضي تطبيقها اتخاذ تدابير تشريعية، بمفهوم المخالفة قد يصادق الملك على التزامات دولية لا تحتاج إلى تحويلها إلى تشريع داخلي، ومن تم نستنتج أن المغرب، علاوة على تبنيه قاعدة التحويل، فقد احتفظ بقاعدة الإدماج المشار إليها سابقا، وينطبق هذا الوضع على الاتفاقيات القابلة للنفاذ المباشر، ومن أمثلتها الاتفاقيات التي تقرر في مركز الأجانب على إقليم الدولة، حيث يكون الغرض من إبرامها هو التقرير في شأن الأجانب وحقوقهم وواجباتهم في مجالات التجارة والاستثمار والضرائب.
كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقا

أعلمني عن
‫wpDiscuz