ISTA Ouazzane

الرئيسية » عين حرة »

قول في المشهد السياسي المغربي..

انتبه الأجداد إلى أهمية السياسية وضرورتها، حينما فهموا أن الحفاظ على الحياة كهدف أول للوجود ليس هدفا مضمونا بيد كل فرد، لأن طبيعة الناس يتجهون وفقا للأهواء، وتحت توجيه الأنانية التي تتقوى بامتلاك القوة البدنية.. الأمر الذي دفع الناس إلى البحث عن كيفية بموجبها يتحقق الأمن والحياة بمقوماتها والمظاهر التي تتجلى بها وتتوضح (الفكر، القيم، الجمال، الانتاج، الإبداع…). وهذا لا يتحقق بطبيعة الحال إلا بتنازل الناس عن مغالاتهم في الفردانية والمرامي والأنانية المطلقة، لصالح جهاز يتم اختياره وفقا لشروط محددة، ولأجل غايات محددة، والعلاقة بين الطرفين منظمة ومضمونة في قانون منظم يتم تسطيره والاتفاق على بنوده، ليتبوأ بامتياز العمومية والشمولية، وبأنه فوق الجميع، تسهر على تنفيذه مؤسسات، بموجبها يودع الناس عالم الحيوانية، والأنانية المفرطة، والتطرف، والعنف المجاني، ليعانق مملكة الانسانية التي من قوامها: الحرية المنتجة، والغيرية، والانفتاح، والمسؤولية والإبداع، وأيضا الديموقراطية.

لتلك الصور صنفت السياسة كأم العلوم المدنية، لأنها تقوم بتدبير وتنظيم الحياة العامة، وذلك باستدماج كل فروع ومشكلات وأغصان شجرة تلك الحياة العامة، وحظيت باهتمام بالغ -ولا تزال- لأنها أساس الحضارة والإنتاج، ولذلك يلاحظ تنافس البشرية -الدول المتقدمة خاصة- على تطوير الممارسة السياسية والتنافس الحزبي وتكريس الدمقرطة، وجعلها اقرب للانصاف الاقتصادي والاجتماعي والجغرافي ايضا، وأكثر شفافية باشراك، لا بل وبمراعاة جميع مكونات المجتمع في الحقوق قبل الواجبات، بغض النظر عن الجنس، او السن، او الامتياز المجالي في ارض موحدة الثوابت الربانية والتاريخية البشرية.

إذا سمح لنا، بقول شيء ما عن تحركات الأحزاب المغربية، أي خاصة القيادة الحزبية، نلمح أن الإخفاقات في الحصيلة، او في ضياع ثقة المواطن في السياسي، كأزمة واضحة اليوم، ذلك يعود في الأصل إلى السياسي نفسه، الذي يعتبر فعل التعبئة واشراك المواطن. وادعاء الدفاع عن مصالحه طقس موسمي مرتبط باقتراب الانتخابات عامة، وليس فعل وواجب ملازم ومحايث للمواطن قبل ومع وبعد الانتخابات، وهذا سيكرس لواجب المشاركة والانخراط في المشهد السياسي. ومن جانب آخر يلاحظ أن الأحزاب في حالة ما توفرت على برنامج مكتوب وجاهز، فإنه لا يستهدف اقناع المواطن بل فقط استمالته باصدار اقوال وردية رنانة، غير قابلة للتطبيق، باختصار ليس بيع الوهم بل هداية الوهم مجانا.. لكن اللعبة تكتشف بعدا، وتنشأ الصدمات التي تنتج ردود فعل حازمة تتجسد في غياب الثقة في السياسي، والعزوف عن التصويت.

كما أن السياسي لا يطور في منتوجه، ويبنيه على ركائز قديمة كانت صلبة ولم تعد، وفي إطار التركيز على العاطفة دوما، واستبعاد العقل الذي يقتضي الوضوح والتحاجج والمسؤولية، فتجد حزب يبني وجوده بتنصيب نفسه المدافع الرسمي عن الدين وقيمه وتعاليمه، في مجتمع اصلا متشبت بهذا الأساس أكثر من الحزب ذاته، بمعادلة أن الحزب في دفاعه يراهن على كسب ثقة الناس وحبهم، بينما أهل الدين يدافعون عنه ويمارسون توجيهاته بغرض آخر أكثر صدقا وصلابة، هو كسب رضا الخالق أولا وأخيرا، والفرق كما لاحظتم شاسع بين الإثنين.

من مسببات الإخفاق السياسي أيضا، عدم تمثل بعده العمومي، ليصبح مثل ضيعة فوائدها لصالح مالكها وعائلته، فتجد بدل تشجيع وتعليم طاقات شابة أوراق السياسية والنجاح فيها، بشروط احترام القانون والقيم، تجده يسد الطريق في وجه الطاقات، ليس لضعف غيره فكريا وسياسيا أو ما شابه، بل لأنه لا يمتلك ما يسميه المغاربة اليوم بـ “الشكارة” أي المال، لهذا فالسياسة كاستنتاج نخبوية خاصة بمن يمتلك المال، الذي به يصنع الأتباع، والنفوذ، وبالتالي النجاح، مما يجعل السياسة والنجاح فيها ملك لنفس الإسم العائلي المرموق فكل حزب عبر الأجيال، وهذه أخطر النقط التي تراها ويصعب تغيرها.

والملاحظة الأخيرة، هي كون جميع المهن التي تريد الإنتاجية الفعلية، سواء المدنية أو العسكرية، في برنامجها تركز على التكوين قبل الفعل والتمرس، وفيه تقدم الضوابط والمعارف والتقنيات الخاصة بالمجال، لأجل إتقانه تحت ضوء إضاءات ومواصفات، وحدها السياسية لا تكوين مسبق وأكاديمي فيها (الأحزاب) بالتالي تجد الولوج لا تتبعه مشقة التكوين، ولهذا لابد من إدخال تكوينات في هذا الباب. الأمر الذي سيقضي أو يسد الباب أمام الذي لا يعرف ترتيب أفكار وتقديم مداخلة واضحة المداخل والمخارج كما نلاحظ بين الفينة والأخرى في البرلمان، وذلك نتاج ضعف أو غياب التكوين المعرفي، الأمر الذي يدفع إلى البحث عن مدى جدية التكوين السياسي، أم أن المال يغنيك عن هذا وذاك.

إذن، فالسياسي ليس ذلك الذي يلبس نظارات مع لباس كلاسيكي مهيب، ويعتمد قلة الكلام في المناسبات، ويتظاهر بعدم توفره على الوقت، دائما في عجلة من أمره، كتلك التي بها وصل إلى ما هو عليه، السياسي هو المثقف والمفكر والمنظر، الذي يشتغل في السياسة بالالتزام بميثاق الأخلاق، ويطور في اساليب القرب من المواطن ويبادر في البحث عن حلول لمشاكله، ويرى في المسؤلية هم للبحث والعمل وليس للراحة والتظاهر، ويسير في سكة خدمة الوطن حقا عملا لا كلاما فقط، في نفس توجه القيادة الملكية السامية، التي لا تتعارض مع توجهات الشعب المغربي، بل تتكامل وتتوافق معه.

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقا

أعلمني عن
ترتيب التعليقات حسب:   الأحدث | الأقدم | الأكثر تقييما

قلت ما يمكن ان يقال في المشهد السياسي المغربي..تحياتي استاذ

ما خفي يبقى أعظم، إنها الشجرة التي تخفي الغابة، مشكور سيدي

‫wpDiscuz